والمقولات التداولية، كـ"نظرية الأفعال الكلامية"التي بحثوها ضمن نظرية الخبر والإنشاء، أثناء بحثهم عن الدلالات وعن الطرق التي يتخذها النص لإفادة معنى أو لصناعة أفعال دينية - فردية كانت أم اجتماعية- بالكلمات، وكيفية تعاطيهم للأساليب اللغوية، والأغراض الإبلاغية التواصلية المنبثقة عنها، وقد توصل الأصوليون إلى"اكتشاف"و"وضع""أفعال كلامية فرعية جديدة منبثقة"عن الكلامية الأصلية، كما قلنا آنفا، لم يتعرض لها المعاصرون، إذ لم تعرفها الثقافة الغربية المعاصرة [1] .
ويبدوأن الأصوليين، من هذه الجهة التداولية، قد استأثروا بالبحث فيما فرط فيه كثير من النحاة، وذلك من جراء فهمهم لطرق تأليف الكلام وأوجه استعماله وإدراك مقاصده وأغراضه، وما يطرأ عليه من تغيير ليؤدي معاني متعددة، ومن ذلك بحثهم في ظاهرة الأفعال الكلامية (ضمن نظرية الخبر والإنشاء) ، وكمراعاة قصد المتكلم وغرضه، وكمراعاة السياق اللغوي وغير اللغوي وتحكيمه في الدلالات ... الخ. بل إن البحث الأصولي قد"يفضل في بعض جوانبه ما قدمه علم المعاني [2] ".
وإذا كان النوعان الأول والثاني من الاعتبارات اللغوية معروفين، إلى حد ما، بفعل بحث بعض المعاصرين فيهما، فإن"الاعتبارات التداولية"بقيت مجهولة لم يمط عنها اللثام، ولم تُولَ العناية التي تستحق، وهوما نسعى إلى بحثه في هذه الصفحات، قصد الوقوف على"الأفعال الكلامية المنبثقة"التي تمت صياغتها من جراء تطبيق نظرية الخبر والإنشاء، ومن ثم يسهل علينا
(1) *. نشير إلى أنه قد يكون لاختلاف اللغات والثقافات دور في تحديد الأفعال الكلامية وتصنيفها.
(2) . نفس المرجع، ورقة 304. نقول ذلك ولا نوفق على صيغة التعميم المفرط التي يعبر بها، أحيانا، د. مصطفى جمال الدين، إذ نعتقد أن من النحاة من بحث بعض هذه"الظواهر المعنوية"يقدر مايسمح به مجال بحثه.