يَحْكُمُونَ" [1] , وقام سعيد بن جبير ليلة, يردد هذه الآية:"وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ" [2] ,وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها, حتى يطلع الفجر, وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهما ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثوابا, ... وحكي عن أبي مسلم الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها, وعن بعض السلف أنه يبقى في سورة ستة أشهور يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها, وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة, وفي كل شهر ختمة, وفي كل سنة ختمة, ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد, وذلك بحسب درجاته وتعيشه) [3] أما أن تكون القراءة مطلبًا في ذاتها, وغاية في نفسها فلا؛ فعظم الأمر ليس على ترداد الحروف, وهذ القرآن هذا الشعر, وإنما ما وقر في القلب وقارنه العمل؛ من هنا كان حال السلف الصالح , من هنا أثرت التلاوة في سلوكهم, فتغيرت معارفهم, واستضاءت سريرتهم, وصح علمهم وعملهم في الحياة, وهذه غاية القرآن الكريم."
من أكثر الصوارف عن فهم القرآن الكريم والوصول إلى معانيه أن يكون القلب- وهو محل العقل والفهم والتدبر والوعي غائبًا أو مريضًا؛ لأنه المزرعة التي ينمو فيها الفهم, والبوتقة التي يكتمل بها العلم, وقد وصفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن صلاح البدن بصلاحه, وفساده بفساده فقال في الحديث الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وهي إلا وهي
(1) الجاثية: 21.
(2) يس: 59.
(3) إحياء علوم الدين ,ج,1 صـ 395، 396.