للقرآن الكريم منهج رائد في عرض قضاياه, وتصوير مراده من إبراز ما يحتاج إلى ظهور, وإغفال مالا يترتب على تركه فائدة, ولو اتبعت هذا المنهج القرآني الذي سار عليه في عرض القصة مثلًا سنجد أنه لا يذكر المكان, ولا الزمان, ولا الملامح الشخصية, كاملة إلا إذا ترتب على ذلك فائدة, كما أنه لا يقف عند الأسماء والأعداد, وفي ذلك ما فيه من فوائد, كإثارة الذهن, ويقظته, وعدم تقديم الكم المعرفي كاملًا؛ لينشط إلى تتبعه, واحترام هذا العقل البشري, فلا يذكر له إلا مايعنيه, ويفيده, ويجعله عقلًا يحلل ويعلل, ويستنبط, ويكون لديه تلك المهارة والقدرة على الاستنتاج والفهم, وفي ذلك دعوة عملية للعقل المسلم أن يكون في تفكيره وعلمه على نفس هذا المنهاج القرآني العزيز, من هنا ضرب القرآن الكريم الذكر صفحًا عن أشياء لا تفيد العقل المسلم, فإذا أغرق العقل نفسه في هذا المبهمات, وتنكب المنهاج القرآني في التعامل مع القرآن نفسه, وضع بذلك أمام نفسه صارفًا من صوارف فهم القرآن, وهو الاشتغال بالمبهمات, والجري وراء معرفتها, وفي ذلك ما فيه من صرف همة العبد عن الأهم إلى غير المهم, ومن المراد إلى غير المراد.
لاشك أن علم قواعد التفسير, والعلم بمفردات علوم القرآن باب عظيم النفع في معرفته مراد الله- تعالي- من كلامه, قدر الطاقة البشرية, وكل باب من هذه الأبواب له ظلال خاصة, وإضافة مفيدة في فهم القرآن, فكيف يصل إلى الفهم مثلًا من لم يعرف الفرق بين المكي والمدني, والناسخ والمنسوخ, أو أسباب النزول, أو معهود العرب في خطابهم وثقافتهم الفكرية والاجتماعية, ومفردات حياتهم, وقد مر بنا شيء من هذه المفردات, عرفنا أهميتها وفائدتها في إيضاح المعنى, وبيان المراد، ولا يقل