يحافظ عليها إلا فيما ورد الشروع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان ونحو ذلك) [1] .
هذا وقد سار أصحاب النبي (- صلى الله عليه وسلم -) على منهاجه- صلوات الله وسلامه عليه- في الترسل والتريث في القراءة والترتيب كذلك, حتى أنكر ابن مسعود (- رضي الله عنه -) على نهيك بن سنان سرعته في القراءة حين قال: قرأت المفصل البارحة فقال عبد الله: هذًا كهذ الشعر .. [2]
وخلاصة القول أن الترسل في القراءة والتمهل فيها يؤدي إلى ضبط معانيها, وإدراك أهدافها, والترتيب فيها يؤدي إلى ترابط أهدافها, وظهور مقاصدها, واتضاح معانيها, واكتمال فكرتها في ذهن القارئ والسامع؛ من هنا كان الترسل والترتيب في القراءة معينًا من معنيات الفهم.
وهذا أيضًا من الأبواب التي تمهد للفهم وتعين عليه؛ فإن استظهار القرآن واستحضاره يجعل العقل أقدر على تفهم قضاياه, والربط بين محاوره ولعل لمحة من لمحات الإضاءة, أو إلماعة من إلماعات التوفيق ساعة مراجعة أو استذكار رأي لا تكون إلا كصيد الخاطر, أو طير سارح, يحتاج إلى ربط وتقييد ,فهذا الكتاب لا تنتهي عجائبه, ولا تبلى جدته, ومن الأمور المجربة أن المرء يكون قد تلا الآية أكثر من مرة ويتلوها من جديد فيتبين له معني ما كان قد وقف عليه من قبل .. ؛ إن الاتصال الدائم بالقرآن: تلاوة, وترتيلًا, ودراسة, وحفظًا, من الأمور التي لابد للمفسر من أن ينصب بها, وحفظ العالم للقرآن والاتصال الدائم به يعينه في تفسيره القرآن بالقرآن, ولا تسد المعاجم الموجودة مسد الحفظ أبدًا .. (وتلاوة القرآن بترتيل وتدبر
(1) التبيان في آداب حملة القرآن: صـ 62، 63.
(2) رواه مسلم: ج 1 ص 635, باب ترتيل القراءة, برقم 822.