مغالبة هتاف النوم, وهتاف وجاذبية الفراش, بعد كد النهار, أشد وطئا, وأجهد للبدن, ولكنه إعلان لسيطرة الروح, واستجابة لدعوة الله- تعالى- وإيثار للأنس به, ومن ثم فإنها أقوم قيلا؛ لأن للذكر فيها حلاوته, وللصلاة فيها خشوعها, وللمناجاة فيها شفافيتها, وإنها لتسكب في القلب أنسا, وراحة, وشفافية, ونورا, قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره, والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره, ويعلم ما يتسرب إليه, وما يوقع عليه وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحا, واستعدادا, وتهيئا؟ , وأي الأسباب أعلق به, وأشد تأثيرا فيه؟ , والله- تعالى- وهو يعد عبده ورسوله محمدا- صلى الله عليه وسلم- لتلقي القول الثقيل, وينهض بالعبء الجسيم, اختار له قيام الليل؛ لأن ناشئة الليل هي أشد وطئا, وأقوم قيلا, ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه, الذي يستغرق كثيرا من الطاقة والالتفات) [1] , وقد قال ابن عباس - رضي الله عنه - قوله- تعالي-:"وَأَقْوَمُ قِيلًا"قال: هو أجدر أن يفهمه القرآن, ويقول ابن حجر- رحمه الله- عن مدارسة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في كل ليلة من رمضان: المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مظنة ذلك, لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية [2] , وهناك من الشواهد ما يدل على اقتران قراءة القرآن بالليل فمنها قوله تعالي:"يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ" [3] , وقوله - صلى الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه فقرأ فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل) [4]
والتحلي بأخلاق القرآن, والتطبع بصفاته التي أرشد إليها, باب من أبواب التفاعل مع هذا الكتاب الكريم, الذي لا يفتح كنوزه- بحق إلا لمن عاشه, وعايشه
(1) الظلال: ج 6 ص 3745 و 3746.
(2) - فتح الباري: 9 - 45
(3) آل عمران: 113.
(4) رواه مسلم, من حديث عمر بن الخطاب: ج 1 ص 515, برقم 747.