معايشة فعلية, لا معايشة ثقافية, ولا فكرية فحسب, فكم رأينا من ومضات وتذوقات لأفراد بضاعتهم في علوم القرآن وأصوله ليست كبيرة, ولكن طباعهم وأخلاقهم مصدرها القرآن, ومراجعها هذا الدستور الإلهي الكريم وهذا ما عاشه بحق سلفنا الصالح حياة حقيقية , (فالمرء لا يستطيع بمجرد فهم ألفاظ القرآن وإدراك معاني جمله فقط أن يصل إلى إدراك التفاعل النفسي الذي ينطوي عليه رجال السلف الصالح, عندما تعاملوا مع هذا الكتاب .. هناك أشواق, وتذوقات وإشراقات, وومضات, ونفحات, وفتوحات, لا يتوصل إليها المرء بمعرفة الألفاظ والمعاني, بل لابد له من أن يعيش نفسه في نور تلك التذوقات والومضات, ولن يكون ذلك إلا بالإيمان العميق النامي, والعمل الصالح والخلق الحسن .. ) [1] , (إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة, ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولًا يملأ به جعبته, إنما كان يتلقى القرآن ليلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها, وشأن الحياة التي يحيا ها, هو وجماعته. يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه, كما يتلقى الجندي في الميدان الأمر ا ليومي، ليعمل به فور تلقيه, ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه .. , وهذا الشعور شعور التنفيذ كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من الانتفاع, وآفاقًا من المعرفة, لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع, وكان ييسر لهم العمل, ويخفف عنهم ثقل التكاليف, ويخلط القرآن بذواتهم ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى نهج واقعي, وإلى ثقافة متحركة, لا تبقى داخل الأذهان, ولا في بطون الصحائف, إنما يتحول أثارًا وأحداثًا, تحول خط سير الحياة. إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يقبل عليه بهذه الروح, روح المعرفة المنشئة للعمل, إنه لم
(1) بحوث في أصول التفسير: 34، 35.