فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 98

يكون سبب ترسخ هذه القناعة الفكرية في عقول المسلمين ما مروا به في عصور الانحلال والاضمحلال, الذي شمل أبواب الفقه, والفكر, في عصور الضعف والهزيمة النفسية, حتى ينقل الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان عن أحد المفسرين قوله: (ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة, ولو وافق قول الصحابة, والحديث الصحيح, والآية, فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل, وربما أداه ذلك إلى الكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر) [1] !!. فانظر كيف وصل الأمر بجيل من الناس أن يحصر الفهم القرآني في فترة محددة, وفهم محدد, مع أننا ما أمرنا بقصر فهم القرآن على جيل دون جيل, أو زمن دون زمن, بل طولبنا بأن نوظف الفهم السابق الذي عاشه السلف الصالح, والأئمة السابقون, بما ينفع ما نعيشه في حياتنا المعاصرة, (إن الدعوة إلى محاصرة العقل, والحجر عليه, وقصر الفهم والإدراك والتدبر على فهوم السابقين, هو الذي ساهم بقدر كبير في الانصراف عن تدبر القرآن, وأقام الحواجز النفسية المخيفة التي حالت دون النظر, وأبقى الأقفال على القلوب, وصار القرآن تناغيم وتراتيل, وبدل أن يكون الميراث الثقافي وسيلة تسهل الفهم, وتغني الرؤية وتعين على التدبر, أصبح من بعض الوجوه عائقًا, يحول دون هذا كله, وشيئًا فشيئًا تتحول القدسية من القرآن إلى السنة, فنجعل السنة حاكمة على القرآن, ومن ثم انتقلت القدسية لفهوم البشر, وبقي الكتاب والسنة للتبرك) [2] !!، ولا يعني هذا أننا نريد أن نتجاوز هذا التراث الضخم, من الفهم الراسخ, والإدراك الراسي العميق, الذي توفر له من شواهد النزول, وصحيح المنقول, ما جعله خير الفهوم, كما يقول شيخ الإسلام في مقدمة أصول التفسير, إنما نريد أن نفيد منه, ونستضئ به, حتى نعبر إلى إعمار الأرض, وإصلاح الدنيا بالدين.

(1) أضواء البيان: جـ 7 صـ 262,نقلا عن الصاوي, في الحاشية على الجلالين

(2) كيف نتعامل مع القرآن: صـ 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت