فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 98

عصر ومصر, وفي كل زمان ومكان.

وهذ الصارف من صوارف الفهم له بما قبله صهر ونسب, فإذا كان السابق يحول دون ارتفاق معاني القرآن الكريم, وسبر أغواره, والعيش في ظلاله, فإن هذا الصارف يجعل الناظر في القرآن الكريم يقف عند فهوم السابقين, دون محاولة تجديد هذه الفهوم بما جد من معطيات العصر, وتطور الزمان, وهؤلاء الأعلام السابقون, والأئمة الراسخون قالوا أهم ما في زمانهم, وأبرز ما أعطاه لهم وقتهم, ولو كانوا في زماننا ووقتنا لكان لهم مع هذا الكلام رأي آخر, يتناسب مع زماننا ووقتنا, ولا يعني ذلك القفز- كما يقولون على هذا التراث الضخم الذي هو وسيلة من وسائل الفهم, وإنما معناه هضم هذا الزخم العلمي والتراثي الزاخر, حتى نفيد من سناه, ونستضئ بضياه, ونمضي على دربه وطريقه, وقد كان الأستاذ أمين الخولي -رحمه الله- يقول: (أول التجديد قتل القديم بحثًا وفهمًا) , وهي حكمة عاقلة رائدة؛ ذلك أن الفهم الحقيقي لا يمكنه أن يتجاوز الفهوم السابقة, بل ينطلق منها, ويبني عليها، أما إنكارها والتبرؤ منها, فهو قطع للجذور, وسد للمنابع, ورفض للأصول, وكما أن ذلك خطأ وخطيئة , فإن الوقوف عند هذه الأصول وحدها, دون الإفادة منها قد يكون عائقًا من عوائق الفهم والفكر والتطبيق والعلم, (فإن الاقتصار على منهج النقل والتلقي يحاصر الخطاب القرآني نفسه, ويقضي على امتداده, وقدرته على العطاء المتجدد للزمن, وإلغاء لبعده المكاني"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" [1] , ولبعده الزماني"وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" [2] , وإلغاء التكليف القرآني من السير في الأرض, والنظر في البواعث والعواقب, باستمرار النظر في الأنفس والآفاق, والاكتشاف الحسن للسنن والقوانين, والتعامل معها في ضوء العطاء العلمي [3] , وقد

(1) سبأ: 28.

(2) الأحزاب: 40.

(3) كيف نتعامل مع القرآن: صـ 17، 18، من مقدمة الأستاذ عمر عبيد حسنة، بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت