وهذا مانع من موانع الفهم, وعقبة من عقبات الوصول إلى المعني المقصود؛ لأنه يكون أكبر شغله, ومبلغ علمه, وأعظم أمله, أن يختم أو يصل إلى آخر السورة, وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن الغاية من العبادة عامة الوصول إلى معناها, لا الوقوف عند شكلها,"رب صائم ليس من صيامه إلا الجوع والعطش, ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب» [1] . وقد قال تعالى في بيان القراءة النافعة:"وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا" [2] ,وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتمهل والتحسين, والإجادة في إقامة الحروف والحدود, فقال:"وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" [3] ,والذي يوقع بعض القارئين في هذا المانع أن يأخذوا جانبًا من جوانب الآيات والأحاديث التي تدل على فضل القراءة, دون أن يقرنوها بأخواتها مما يدل على فضل الفهم وأن يكون لهذه القراءة ثمرة من الإدراك والوعي، أو قد يكون ذلك من تلبيس إبليس فقد ذكر ابن الجوزي (أنه قد لبس على قوم بكثرة التلاوة فهم يهذون هذًا من غير ترتيل ولا تثبت, وهذه حالة ليست محمودة ,وقد روي جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يوم, أو في كل ركعة, وهذا يكون نادرًا منهم, ومن داوم عليه فإنه وإن كان جائزًا إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء) [4] ,وليس أدل على ذلك من سيرة السلف الصالح وموقفهم مع القرآن الكريم من ترديد آيات يمرون بها لا يجاوزونها حتى يصلوا بها إلى معاني تشبع نفوسهم, وتروي غلتهم, ورأس الصالحين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف ليلة كاملة يردد قوله تعالى:"إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [5] «وقد قام تميم الداري ليلة بهذه الآية"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجترحوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا
(1) سنن ابن ماجة 1/ 596 برقم ,,571 وقال صحيح على شرط البخاري, ولم يخرجاه
(2) الإسراء: 106.
(3) المزمل: 4.
(4) انظر تلبيس إبليس: صـ 138.
(5) والحديث أخرجه ابن ماجة ,1/ 429, وقال الألباني: حسن, والآية: 118 من المائدة.