ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" [1] , نسيناها اعتبرنا المستثني منه أصلا وأصبح القتال عامًا, بدون وعي للمعني نفسه، وما أوقع الناس في مثل هذا الفهم المشوه للآية الكريمة إلا النظرة الجزئية, التي أضاعت المعنى, وبترت الفهم, حتى أدى إلى غير المراد منه، وإذا نظرنا إلى آية أخرى في نفس السورة وهي قوله- تعالى-:"وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ" [2] , وعرفنا أن ما ذكر قبلها من آيات"أمر عام في جميع الأحوال, وفي كل الأشخاص, ذكر- تعالى-: أن المصلحة إذا اقتضيت تغريب بعض جاز, بل وجب ذلك فقال:"وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ"طلب منك أن تجيره وتمنعه من الضرر لأجل أن يسمع كلام الله, وينظر حالة الإسلام"فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ", ثم إن أسلم فذالك, وإلا فأبلغه مأمنه, أي: المحمل الذي يأمن فيه, والسبب في ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون, فربما كان استمرارهم على كفرهم لجهل منهم, إذا زال اختاروا عليه الإسلام, فلذلك أمر الله رسوله, وأمته أسوته في الأحكام, أن يجيروا من طلب أن يسمع كلام الله» [3] ؛ ذلك أن كمال إنسانية الإنسان أن يخلي نفسه, حتى يفكر فيما يصلحه ويفيده, من هنا أسقط الله التكليف عن المكره حال الإكراه؛ لأنه فقد عندئذ مؤهلًا من مؤهلات التكليف, ولم يعد أهلا له .. , من هنا نري أن (شمول النظرة أمر لابد منه, لكي تعطي الأحكام الصحيحة من الناحية الفقهية التشريعية, فإذا أدركنا أن الإنسان مخلوق سويٌّ, له سمع وبصر, وله فؤاد, ولابد أن تستغل هذه الوظائف
(1) التوبة: 4.
(2) التوبة: 6.
(3) تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن, للشيخ عبد الرحمن السعدي, ط: الرسالة, ط أولى 142 هـ/ 200 م, صـ 329.