فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 98

من هنا فإن النظرة الجزئية تكون آثارها وخيمة على الفكر الإسلامي, فهي تفيد من الآيات ما لا تدل عليه الآيات, وتنسب إلى القرآن أحكامًا ليست من أحكام القرآن، وما ذلك إلا لأنها نظرت نظرة موضعية, ولم تطلق نظرها في الموضوع كله, فوقفت عند حد لا يكتمل به المراد, وذلك أوقع الفكر الإسلامي قديمًا وحديثًا في مسائل شائكة, بل أوقع بعضهم أحيانًا في فهوم تناقض تمامًا مراد القرآن الكريم, خذ مثلاُ فهم بعضهم لقوله- تعالى-:"وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" [1] , التي أخذ منها أن العمل مخلوق لله- تعالى- «ونسينا أن هذا الكلام لو صح ما كان عبدة الأصنام مسئولين؛ لأنهم إذا كانوا مخلوقين لله, وشركهم ووثنيتهم مخلوقة لله, فما عليهم من ذنب, لكن نحن أخذنا ظاهر الآية, وقطعناها من سياقها من قبل ومن بعد, وجعلناها هكذا دليلًا لرأي باطل .. ؛ إنها آفة التجزيء, وبعضهم بلغت به النظرة الجزئية أن يأخذ من صدر سورة براءة أن الإسلام دين هجوم, وإذا سألتهم عن الدليل يقولون: قوله- تعالى-:"وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً" [2] ويقف, من ثم لا يكمل الآية؛ لأن إكمال الآية"كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً", فأنت هنا ترد الهجوم الشامل بدفاع شامل, وليس هناك ما يستدعي هذا, بل سميت آية السيف بذلك من المستثني قبل الاستثناء في قوله- تعالى- في السورة نفسها:"وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [3] , وانتهي الأمر, وأخذ منها البراءة المطلقة, أما الاستثناء الذي جاء ووضح حدود البراءة, ومعناها, والمجال الذي لا يجوز أن نتعداه, وهو قوله- تعالى-:"إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ"

(1) الصافات: 96.

(2) التوبة: من الآية: 36.

(3) التوبة: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت