الصفحة 12 من 33

فإذا كان الظلم عظيمًا كانت العقوبة في ذلك عظيمة، وإذا كانت المظالم يسيرة كان عقاب الله سبحانه وتعالى عليه في ذلك يسيرًا، والله سبحانه وتعالى يأخذ الظلمة في مخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى وحكمه بحسب المظالم التي يتعدون بها إلى غيرهم من العباد؛ لأن الله جل وعلا سير الكون بعدله قدرًا، وأمر العباد أن يقيموا حكمه جل وعلا بين العباد؛ حتى يستقيم الأمر فيما بينهم، فجعل لهم شيئًا من التصرف يخيرون فيه، فبقدر تفريطهم يختل ذلك الأمر، فكأنما اختل نظام مخلوق من هذه المخلوقات لمخالفتها لشيء يسير من قضاء الله جل وعلا، لو كان ذلك وما هو بكائن، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين أن انتظام الكائنات الجامدة التي تنساق لحكم الله سبحانه وتعالى؛ لأنها ليست بمخاطبة بشيء من التكاليف الشرعية فتكون هي أشد انتظامًا وأظهر سلامة من الإنسان. والإنسان حين ينظر إلى الكواكب والأفلاك في مسيرها، يجد أنها على طريقة منتظمة لا تزول ولا تحصل فيها الكوارث، ولا تحصل فيها الموبقات إلا لأمر متعدٍّ هو من مظالم بني آدم كالشهب التي ينزلها الله جل وعلا على مسترقي السمع، وكذلك على الظلمة، وكذلك ربما أنزل الله جل وعلا شيئًا من العقوبات بسبب ذنوب بني آدم في مخالفتهم لحكم الله سبحانه وتعالى شرعًا؛ لهذا أمر الله جل وعلا بامتثال أمره شرعًا، وجعل المخالف لأمره ناصبًا نفسه حكمًا من دون الله، ومنازعًا أيضًا لله جل وعلا في حكمه، فالله جل وعلا جعل الحكم ملكًا له ومستحقًا له جل وعلا، من نازعه في ذلك نازعه في ربوبيته، فالله جل وعلا حينما قال: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] ، يعني: ليس لغيره، وليس لأحد في ذلك حق، فمن حكم بغير ما أنزل الله جل وعلا في مجتمع من المجتمعات، فقد نازع الله سبحانه وتعالى في أمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت