الثانية: حملها على الإحداث في الدين، والتغيير لمعالم حدوده، استعجالا لنيل حظوظ الدنيا، فروى الشيخ أبو عمر عن وهب بن منبه قال:
«كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان قد قرأوا الكتب، وعلموا علما، وأنهم طلبوا بقراءتهم وعلمهم الشرف والمال، وأنهم ابتدعوا بدعا أدركوا بها المال والشرف في الدنيا، فضلوا وأضلوا» اهـ.
وهذا وإن كان يعرض من حب الطلب لها على الجملة قبل الاستحقاق وبعده، كما أشار إليه أبو العتاهية بقوله:
أأخيّ من عشق الرّياسة خفت أن ... يطغى ويحدث بدعة وضلالا
ولكن عروضه للمستعجل بها أقرب، ووصف هؤلاء بحداثة السن، مقتض لطلب الرتبة قبل وقتها.
الثالثة: حملها على بغض العلوم، ومعاداة أهلها، لما يعلم من قصوره عن كمال الاستحقاق لها، فيظهر الكفاية بما عنده، ولا يحمل من الكملاء أن يعلموا بنقصه فيعاديهم لا محالة، وينفر من ذل التعلم بعد ما توهمه عزا بالرياسة، وشرفا بأحواز الرتبة، وذلك موجب لبقائه مرتبكا في ظلمات الجهالة وفي ذلك يقول الشيخ أبو عمر فيما ينسب إليه:
«حب الرياسة داء بخلق الدنيا ... ويجعل الحب حربا للمحبّينا
يفري الحلاقم والأرحام يقطعها ... فلا مروءة يبقي لا، ولا دينا
من ساد بالجهل، أو قبل الرسوخ فلا ... تلقاه إلا عدوا للمحقينا