والدليل على أبي حنيفة قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} فهذه أدلة. أحدها أنه تعالى أضاف مدة التربص إلى الزوج وجعلها حقًا له، وما كان حقًا للإنسان لم يكن محلًا لوجوب خلق عليه كالآجال في الديون وغيرها، والدليل على ابن أبي ليلى ومن تابعه أنه إذا حلف على يوم يصير بعد مضيه ممتنعًا من غير يمين، فكان كمبتدئ الامتناع من غير يمين.
وقد اختلف فيمن حلف أن لا يطأ أربعة أشهر، فمضت الآربعة أشهر فقال مالك والشافعي لا يكون موليًا. وقال أبو حنيفة: يكون موليًا، ويقع به الطلاق وإن لم ينو الإيلاء. ووجه الاستدلال عليه من الآية أن الله تعالى أضاف الفيء والطلاق إلى المولي فدل على أنهما يتعلقان بفعله.
وأيضًا فإنه تعالى قال: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] فاقتضى ذلك أن يكون عزيمة الطلاق واقعة على وجه فيسمع وعندهم أن عزيمة الطلاق ترك الوطء مدة التربص وذلك لا يتأتى فيه سماع. وقال تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} خلافًا لمن يعتبر في الأجل النساء.
وأما أبو حنيفة والمزني فجعلا الإيلا من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهرين. واختلف في أجل إيلاء العبد من زوجته فذهب الشافعي، وأبو
حنيفة، وأحمد، وأبو ثور إلى أن أجله أربعة أشهر. ومن حجتهم عموم الآية وأن الحرو العبد يدخلان تحت عموم قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} الآية، وفي مثل هذا بين الأصوليين خلاف. وذهب مالك، والزهري، وعطاء، وإسحاق إلى أن أجله شهران قياسًا على الطلاق. وفي تخصيص عموم القرآن بالقياس خلاف. وذهب الحسن إلى أن أجله من الحرة أربعة أشهر ومن الأمة شهران. وهذا قول مبني على اعتبار الأجل بالنساء. وهو باطل، وإنما يعتبر بالرجال والدليل من الآية أن الله تعالى قد جعل في هذه الآية مدة التربص حقًا للزوج والحقوق معتبرة بمن جعلت له كالطلاق وغيره، واختلف في الإيلاء من غير المدخول بها هل يلزم أم لا؟ فذهب مالك، وأصحاب الشافعي وأصحاب الرأي والأوزاعي، والنخعي، وغيرهم إلى أن المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء منها. وذهب الزهري، وعطاء، والثوري إلى أنه لا إيلاء إلا بعد الدخول.