اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، أجميع الأمة هم أم الحُمُس؟ فقال ابن عباس، وعائشة، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم المخاطب بها قريش ومن ولدت وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا يقولون نحن قطين الله فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئًا من الحل. فسنوا سنن الثياب في الطواف إلى غير ذلك. وكانوا مع معرفته وإقرارهم أن عرفة هي موقف إبراهيم لا يحرمون من الرحم ويقفون بجمع ويفيضون منه، ويقف الناس بعرفة فقبل أن يفيضوا مع الناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحمس. ولكنه كان يقف مذ كان يعرفة هداية من الله له. والناس على هذا التأويل من سوى الحمس. وقال الضحاك: المخاطب بها جملة الآمة والمراد بها إبراهيم -عليه السلام- كما قال الله تعالى: {الذين قال لهم الناس} [آل عمران: 173] وهو يريد واحدًا، وهذا الواحد هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان بعث به سفبان يخوف المسلمين بجمعهم، ويحتمل بهذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة،
ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة، فإذا جعلن قوله تعالى: {ثم أفيضوا} أمرًا بالإفاضة من عرفة فيحتاج إلى تقدير.
وقد اختلف الناس في تقديره فقال بعضهم: {ثم} ليست في هذه الآية للترتيب، وإنما هي لعطف جملة كلام على جملة كلام هي منقطعة منها. وقال بعضهم: {ثم} بمعنى الواو. وقال الطبري: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} إلى قوله: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} واحتيج إلى هذا التقدير لأن الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام. وإذا قلنا إن المراد بذلك إفاذة أخرى من المزدلفة، وقد قيل ذلك، وهو الذي عول عليه الطبري فثم على بابها.
(200) - قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} الآية [البقرة: 200] .