وإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على ما رزقَنا من بهيمةِ الأنعامِ ، ليسَ هو ذكره
على الذبائح ، بل ذكرُهُ فِي أيامِ العشرِ كلِّها ، شكرًا على نعمةِ رزقهِ لنا من
بهيمةِ الأنعامِ ، فإنَّ للَّهِ تعالى علينا فيها نِعَمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً.
وقد عدَّدَ بعضَ الدنيويةِ فِي سورة النَّحلِ ، وتختصُ عشرُ ذي الحجةِ منها
بحملِ أثقالِ الحاجِّ ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكِهِم والانتفاع بركوبِها ودرِّها
ونسلِها وأصوافِهَا وأشعارِهَا.
وأمَّا الدينية فكثيرةٌ ، مثلُ: إيجابِ الهدْي وإشعارِه وتقليدِهِ ، وغالبًا يكونُ
ذلكَ فِي أيامِ العشرِ أو بعضِهَا ، وذبحهُ فِي آخرِ العشرِ ، والتقربُ به إلى اللَّهِ.
والأكلُ من لحمِهِ ، وإطعامُ القانِع والمعترِّ.
فلذلك شُرعَ ذكرُ اللَّهِ فِي أيامِ العشر شكرًا على هذه النعم كلِّها ، كما
صرَّح به فِي قولِهِ تعالى: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى ما هَدَاكُم) ، كما أمَرَ بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ ، وإكمالِ العدةِ ، شكرًا
على ما هدانا إليه من الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرةِ الذنوبِ السابقةِ.
وأمَّا الأيامُ المعدوداتُ:
فالجمهورُ على أنَّها أيامُ التشريقِ ، ورُوي عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ
وغيرِ هِما.
واستدل ابنُ عُمرَ بقولهِ: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) .
وإنَّما يكون التعجيلُ فِي ثاني أيامِ التشريقِ.
قال الإمامُ أحمدُ: ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عمرَ.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ وعطاء أنها أربعةُ أيام: يومُ النحرِ ، وثلاثة بعدَه.
وفي إسناد المرويِّ عن ابنِ عباسٍ ضعفٌ.
وأمَّا ما ذكرَه البخاريُّ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ ، فهو من روايةِ سلامٍ أبي
المنذرِ ، عنْ حميدٍ الأعرج ، عن مجاهدٍ ، أن ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ كانا يخرجانِ
في العشر إلى السوقِ يكبِّرانِ ، لا يخرجَانِ إلا لذلكَ.