كانَ بعضُ السلفِ إذا وُفِّقَ لقيام ليليةٍ من الليالي أصبَحَ فِي نهارِهَا صائمًا.
ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق للقيامِ.
وكان وهيبُ بنُ الوردِ يُسأل عن ثوابِ شيء من الأعمالِ ، كالطوافِ
ونحوه ، فيقول: تسألوا عن ثوابِهِ ؟! ولكنْ سلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا
العملِ من الشكرِ ، للتوفيقِ والإعانةِ عليهِ ؟!
إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُلِّ نعْمَةٍ ... لموليكها شكْرًا فلسْتَ بشاكرٍ
كُلُّ نعمةٍ على العبدِ منَ اللهِ فِي دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها ، ثمَّ
التوفيقُ للشكرِ عليها نعمةٌ أخرى تحتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ ، ثم التوفيقُ للشكر
الثاني نعمةٌ أخرى يحتاج إلى شكر آخر ، وهكذا أبدًا فلا يقدِرُ العبادُ على
القيامِ بشكْرِ النعم.
وحقيقةُ الشُّكْرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشكر ، كما قيل:
إذا كان شكْري نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً ... عليَّ لَهُ فِي مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ
فكيفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلا بفَضْلِهِ ... وإن طالتِ الأيَّامُ واتَصَلَ العُمْرُ
قال أبو عمرٍو الشيبانيُّ: قالَ موسى - عليه السلامُ - يومَ الطُّور: يا ربّ!
إنْ أنا صليتُ فَمِن قِبَلِكَ ، هان أنا تصدَّقْتُ فمن قبَلكَ ، وإن بلَّغْتَ رسالاتك
فَمِنْ قِبَلِكَ ، فكيف أشكرك ؟
قال: يا موسى ، الَآنَ شكرتَني ، فأمَّا مقابلة نعمة التوفيق لصيامِ شهر رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعده ، فهو من فِعْلِ مَن بدَّلَ نِعْمةَ اللَّهِ كفرًا ، فإن كان قد عَزَمَ فِي صيامِهِ على معاودةِ المعاصِي بعدَ انقضاءِ الصيامِ ، فصيامُه عليه مردودٌ ، وبابُ ألرَّحمةِ فِي وجههِ مسدودٌ.
قال كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَهُ أنَّه إن أفطر رمضانَ
أن لا يعصِي اللَّهَ ، دخلَ الجنةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حساب ، ومَن صامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر عصَى ربَّه ، فصيامُه عليه مردودٌ.