في قولِهِ عزَّ وجلَّ: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكًّ يَؤمنُونَ بِهِ)
قالُوا: يُحلِّونَ حلالَهُ ويحرّمون حرامَه ، ولا يحرِّفونه عن مواضعِهِ.
والمرادُ بالتحليلِ والتحريمِ فعلُ الحلالِ واجتنابُ الحرامِ كما ذُكرَ فِي هذا
الحديثِ.
وقد قالَ اللَّه فِي حقّ الكفارِ الذينَ كانُوا يُغيّرونَ تحريمَ الشهورِ
الحُرُمِ: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ، والمرادُ: أنَّهم كانُوا يُقاتِلونَ فِي الشهرِ الحرامِ عامًا ، فيُحلونهُ بذلكَ ، ويمتنعونَ من القتالِ فيه عامًا ، فيحرِّمونَهُ بذلكَ.
وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) ، وهذِهِ الآيةُ نزلتْ بسببِ قومِ امتنعوا من تناولِ بعضِ الطيباتِ زهدًا في
الدنيا وتقشفًا ، وبعضُهم حرَّمَ ذلكَ عن نفسِهِ ، إمَّا بيمينِ حَلَفَ بها ، أو
بتحريمهِ على نفسِهِ ، وذلكَ كلُّه لا يوجبُ تحريمَهُ فِي نفسِ الأمرِ ، وبعضُهم
امتنعَ منه من غيرِ يمينٍ ولا تحريم ، فسمَّى الجميعَ تحريمًا ، حيثُ قصدَ الامتناعَ
منه إضرارًا بالنفسِ ، وكفًّا لها عن شهواتِهَا. ويقالُ فِي الأمثالِ: فلان لا
يحلِّلُ ولا يحرِّمُ ، إذا كان لا يمتنعُ من فعلِ حرامٍ ، ولا يقفُ عندَ ما أُبيحَ له.
وإن كان يعتقدُ تحريمَ الحرامِ ، فيجعلونَ من فعلَ الحرامَ ولم يتحاشَ منه مُحلِّلاً
له ، وإن كانَ لا يعتقدُ حلَّه. وبكلّ حالٍ ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أن من قامَ