تعجيلهِ عِزَّ التَّقوى وشرفها ، وثوابَ الآخرةِ وعُلُوَّ درجاتِهَا ، فتبيَّنَ بهذا أنَ
إيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ ، فلذلكَ كان كُل مَنْ عصى
اللَّهَ جاهلاً ، وكُلُّ مَنْ أطاعَه عالمًا ، وكفى بخشيةِ اللهِ علمًا ، وبالاغترار به
جهلاً. وأما التوبةُ من قريبٍ فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ.
فالعمرُ كلُّه قريبٌ ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تابَ قبل الموتِ فقد تابَ من
قريبٍ ، ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد.
عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ - رضي الله عنه -: أن رجلاَّ سَألَ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المكتُوباتِ ، وصُمْتُ رمضانَ ، وأحْللْتُ الحلالَ ، وحرَّمتُ الحرامَ ، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا ، أأدخلُ الجنَّة ؟ قال:"نعَمْ"رواه مسلم.
هذا الحديثُ: خرَّجه مسلمٌ من روايةِ أبي الزبيرِ عن جابرٍ ، وزادَ في
آخر: قال: واللَّهِ لا أزيدُ على ذلكَ شيئًا. وخرَّجه - أيضًا - من روايةِ
الأعمشِ عن أبي صالح ، وأبي سفيانَ عن جابرَ قالَ: قال النعمانُ بن قوقل: يا رسولَ اللَّهِ ، أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة ، وحرمتُ الحرامَ ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزدْ على ذلكَ شيئًا أأدخُلُ الجنَّةَ ؟
قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"نعم".
وقد فسرَ بعضُهم تحليلَ الحلال باعتقادِ حلِّه ، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمتِه
مع اجتنابِهِ ، ويُحتملُ أن يرادَ بتحليلِ الحلالِ إتيانُه ، ويكونُ الحلالُ ههنا عبارةً عمَّا ليس بحرامٍ ، فيدخلُ فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعلُ ما ليس بمحرَّمٍ عليه ، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره ، ويجتنبُ
المحرَّماتِ.
وقد رُوي عن طائفة من السلفِ ، منهم ابنُ مسعود وابنُ عباس