فإن قلت: الظرف والمجرور محَلُّ، ولا يصحُّ التعليل به عند الأصوليين، بل بالصفة. فالجواب: أن المحل هنا نَابَ مَنَابَ متعلّقِه، وهو"كائن"أو"مستقر"- الذي هو صفة - ولِذَا لا يجوز الجمعُ بينهما.
أبوحيان:"ومِن شروط دخولِ الفاء كونُ الخبر مستحقاً بالصِّلة كهذه الآية". قيل: كونه مستحَقّاً بالصلة، إنما يُعلم بدخول الفاء، فلا يصحُّ كونُه شرطاً فيها لامتناع تأخُّرِ الشرط عن المشروط.
أجيب بأن هذا بالنسبة إلى السامع لا إلى قصْدِ المتكلِّم.
قال الشيخ:"وعادة الشيوخ يَرُدُّون قول أبي حيان المذكور بقوله تعالى: (الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين) ؛ لاستلزامه مذهبَ المعتزلة القائلين بوجوب مُراعاة الأصلح."
ويجيبون عنه بأنّ المعنى:"الذي خلقني هذا الخلقَ الخاصَّ على صفةِ النبوة"؛ ونظيرُه: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
275 - {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} :
اختَلف الفقهاء في لفظ"البيع"؛ قيل: مجملٌ ثم بُيِّنَ. وقيل: عامٌّ ثم خُصِّص. وقيل: لم يُخصص؛ فعلى الأول هو حقيقةٌ لغوية، وعلى الثالث هو حقيقةٌ شرعية؛ لأنه إذا كان غيرَ مخَصَّص فهو عبارة عن البيع الشرعي، فلا يتناول إلا الحلالَ من البياعات"."
276 - {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} :
قولُ ابنِ عطية:"إن اللَّه تعالى يحب التوفيق على العموم"، نزْغةٌ اعتزالية لم يتفطَّن لها ولم يقْصدها؛ بل مذهبُنا أنه تعالى يحب الخير ويحب الشر.
277 - {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} :
لم يؤْتَ بالفاء هنا كما أَتَى بها في الآية المتقدمة؛ لأنَّ دخول"إن"على الموصول هنا، يمنع كونَها بمعنى الشرط.
279 - {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} :
أي تتركوا الربا، فيدُل أن التركَ فعل، إلاَّ أن يُقال: هو كَفٌّ؛ قال ابن الحاجب في"أصْلِيِّه:"الأمر
طلبُ فعلٍ غيرِ كفٍّ"، فجعل الكَفَّ فعلا. ويتبين الفرق بين الكف والفعل بمثالِ طعامٍ بين يديْ رجلين تَرَكَا أكلَه، أحدُهما جائع والآخر شبعان؛ فالجائع كفَّ نفسَه عن الأكل، والشبعان ترك أكلَه دون كفِّ نفسِه عنه، لأنها لا تستدْعيه."