واعلم أن الدين مشتمل على الإيمان والإسلام والإحسان كما في حديث جبريل - عليه السّلام - وهذه الآية تضمنت ذلك، وهو التصديق والتقوى لقوله - عز وجل - في آخرها: {أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (177) [البقرة: 177] وهو خصال الولاية لقوله - عز وجل - في صفة الأولياء: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ} (63) [يونس: 63] فالتقوى مساوية للولاية، فكل متق على الحقيقة ولي، وكل ولي على الحقيقة متق.
انتفى فيه القصاص بأدلة تخصيصه المشهورة (1) .
{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178] ، مفهومه/ [24 أ/م] أن لا يقتل حر بعبد وهو خاص، فيخص به عموم النفس بالنفس خلافا لأبي حنيفة، وأصل الخلاف أن المفهوم حجة عندنا، فيخص به العموم، لأن عنده {وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى} [البقرة: 178] مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى، لكنه متروك لضعفه ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى، ولا شيء لورثته.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يقتل بها، ويعطى ورثته نصف ديته؛ لأن المرأة تودى بنصف دية الرجل، هو رواية بعيدة عن أحمد، ولعل مأخذها هذا المفهوم، وهو أن الآية اقتضت أن لا يقتل بها، فلما تركناه في القتل اعتبرنا المساواة بينهما بحسب الدية حتى كأنا أخذنا بنفس المرأة نصف نفس رجل كنسبة ديتها من ديته.
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] أي: من قتل فعفا له الولي عن القصاص، أو عن بعض الدية، فعلى الولي اتباع الجاني بالدية أو ما بقي منها بالمعروف، وعلى الجاني أداء ذلك بإحسان هذا ظاهر الكلام، وهو عام مطرد، وفي تفسيره خلاف.