{فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ} [البقرة: 178] أي: من عفا عن القصاص، ثم قتل الجاني بعد العفو عنه أو اقتص منه في طرف {فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ} (178) [البقرة: 178] ، أي بالقصاص منه؛ لأنه جنى عمدا [أو أنه] أشبه الجاني ابتداء، وهذا عام خصّ منه ما إذا قتل الجاني بعد العفو عنه خطأ أو جهلا بالتحريم ونحوه من صور العذر المسقطة للقصاص؛ لقوله عز وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً} (5) [الأحزاب: 5] ونحوه، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
{وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (179) [البقرة: 179] هذا خبر عام، وهو بحسب السياسة الكلية الظاهرة وجاري العادة مطرد؛ لأن الإنسان إذا
علم أنه إذا قتل قتل كف عن القتل، فكان في كفه حياتهما جميعا وحياة من يتبعهما؛ من يدخل في نصرتهما إما بحسب أمور جزئية باطنة، فقد يكون في القصاص موت كثير مثل أن يقتص من شخص، فتأخذ العزة قوم المقتص منه فيغتالون بعض أولياء القصاص، فيظهر ذلك عليهم، فتلتحم الفتنة، فيقتل خلق كثير أو يقاد المغتالون فهذا القصاص المفروض/ [46/ل] أفضى إلى موت أكثر مما كان يفضي إليه عدم القصاص، لكن مثل هذا لا يعد تخصيصا إذ هو مفروض على خلاف جهة عموم القرآن؛ إذ هو وارد على جهة السياسة الكلية الظاهرة لا على جهة الصور الفرضية الجزئية النادرة.
أما قول العرب: القتل أنفى للقتل، فلا يرد عليه مثل هذا التخصيص؛ إذ معناه: القتل أقرب إلى نفي القتل، ولا يلزم منه أن ينفيه مطلقا في كل صورة حتى يرد للصورة المفروضة ونحوها عليه.