قوله - عز وجل: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (170) [البقرة: 170] فيه ذم التقليد، وهو اعتقاد الحكم بناء على حس الظن بمن أخذ عنه لا عن نظر وهو كذلك (1) ؛ لأنه استناد إلى جهالة محضة وعدم علم، وعدم العلم لا يفيد علما لا بالعدم ولا بالوجود؛ ولأن المقلد إما أن يعلم خطأ من قلده أو إصابته، فإن علم خطأه لم يجز متابعته، وإن علم إصابته فإما بتقليد آخر فيعود الكلام فيه ويتسلسل، أو بنظر فليس حينئذ مقلدا لاستناد اعتقاده إلى نظر واستدلال، لكن قد فرضناه مقلدا هذا خلف.
واعلم أن هذه الآية وغيرها من الآيات الذامة للتقليد إنما دلت على امتناع التقليد في أحكام الأصول والمعتقدات كالتوحيد ونحوه، أما الفروع فلا، بل قد دل قوله - عز
وجل: {وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (7) [الأنبياء: 7] على جواز التقليد فيها.
والأقوال الممكنة في التقليد أنه يجوز في الأصول والفروع ولا يجوز فيهما، ويجوز في الفروع لا في الأصول مطلقا، / [42/ل] ويجوز في الفروع وفي الأصول لمن لا يمكنه استعمال النظر فيها على وجهه إما لضعف فهمه، أو لانقطاعه بذلك عن مصالح معاشه الضرورية كالعامة ونحوهم.
{وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (170) [البقرة: 170] .
إشارة إلى دليل بطلان التقليد، وتقريره: أن آباءهم يجوز أن يصيبوا ويخطئوا فبتقدير أن يخطئوا لا يجوز متابعتهم، أفتتبعونهم على ذلك، وأما إصابتهم فليست متعينة، فإن علمتموها بتقليد آخر لزم تسلسل التقليدات، أو بنظر فلستم إذن مقلدين.
وخرجنا عن المسألة، وهذه المسألة من باب صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه.