قوله عز وجل: {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} (30) [البقرة: 30] هو عام فيهم لم يخص، {وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} [البقرة: 30] يحتمل أنه لتعريف الحقيقة، أو هو مجرد جمع لا للعموم، ويحتمل أنه [عام خص] بالواقع بأن بني آدم لم يسفكوا كل دم.
ثم إن الناس اختلفوا في عصمة الملائكة؛ فأثبتها الجمهور ونفاها المعتزلة، متمسكين من هذه القصة بوجوه:
أحدها: قولهم: (أتجعل فيها) وهو استفهام إنكار، واعتراض على الله - عز وجل - وهو سوء أدب.
الثاني: قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}
وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) [البقرة: 30] وهو غيبة لبني آدم، وقذف لهم رجما بالغيب.
الثالث: قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ} [البقرة: 30] وهو عجب منهم بأعمالهم، ومن [منهم] على الله - عز وجل - بها، وكل هذه أفعال تنافي العصمة.
الرابع: أن إبليس وهاروت وماروت من رؤسائهم وقد علم ما كان منهم مما ينافي العصمة فمن دونهم من الملائكة أولى.
الخامس: أن البشر أفضل من الملائكة عند كثير من الناس، ثم إنهم غير معصومين، فالملائكة الذين هم مفضولون أولى.
واحتج الجمهور بوجوه:
أحدها: أن الملائكة رسل الله، لقوله - عز وجل: {الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) [فاطر: 1] .