وقوله - عز وجل: {عَلى عَبْدِنا} [البقرة: 23] أي: من مثل محمد - عليه الصلاة والسّلام - تنبيه على وجه صدقه؛ وهو أن صدور مثل هذا الكلام المعجز للخلق عن أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، يدل على صدقه قطعا؛ كما أن/ [20/ل] قلب العصاحية وإحياء الموتى، ممن لم يشتغل بعلم السحر ولا الطلب، يدل على صدقه.
وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ} (24) [البقرة: 24] معجز معترض في هذا الاستدلال؛ لأنه إخبار عن غيب، بأنهم لا يعارضون القرآن، وكان كما قال. ولقد كان هذا مما يقوي دواعيهم على تعاطي المعارضة، فلو قدروا عليها لفعلوها، ثم لكذبوه في خبره، وقالوا: زعمت أنا لن نفعل وها نحن قد فعلنا؛ فلما لم يعارضوه مع توفر الدواعي على المعارضة، دل على العجز والإعجاز.
قوله عز وجل: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ} (24) [البقرة: 24] .
مع قوله عز وجل: {*وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (133) [آل عمران: 133] .
يحتج بهما على وجود الجنة والنار في الخارج، خلافا للمعتزلة؛ إذ قالوا: إنما هما موجودتان في العلم لا في الخارج.
حجة الجمهور: هذا النص؛ إذ المعدوم لا يقال له: «أعدّ» فهو معد؛ ولأنه قد ثبت أن
آدم - عليه السّلام - دخل الجنة ثم أخرج منها (1) وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، (2) وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة (3) .
احتج الخصم بأن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة، فإيجادهما قبلها عبث.
وأجيب بالمنع، بل في ذلك ترغيب وترهيب كآلات العقوبة؛ كالصلابة ونحوها، يعدها السلطان ترهيبا للأشرار، وآلات الثواب والإنعام ترغيبا للأخيار.