قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (22) [البقرة: 22] ، فيه تنبيه على كيفية النظر، وكيفيته تستدعي تحققه ووجوبه، وسيأتي بيانه - إن شاء الله عز وجل - وقد سبق حد النظر، وهو يفضي في وجود الصانع وحدوث العالم إلى ما سبق من الاستدلال بدليل الدور والتسلسل، وقد احتج النبي صلّى الله عليه وسلّم بهما، إذ قيل له حين قال: «لا عدوى» : يا رسول الله، ما بال الإبل - تكون كالظباء فيخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ قال: «فمن أعدى الأول؟!» (1) يعني: لو كان كل أجرب يستدعي أجرب يعديه لزم تسلسل الجربى، لكنه باطل بالعيان؛ إذ البعير الأول لم يستدع أجرب يعديه.
أو يقال: لو كانت العدوى لازمة، لكان البعير الأول: إما أن تعديه الإبل التي أعداها هو؛ فيلزم الدور، أو غيره فيلزم التسلسل. وانظر إلى قوله - عليه الصلاة والسّلام: «فمن أعدى الأول؟» مع قوله عز وجل: {أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ}
{جَدِيدٍ} (15) [ق: 15] كيف [كان] كل منهما ثلاث كلمات تضمنت دليلا عقليا عظيما أسهب في تقريره المتكلمون، وذلك دليل على تشابه الكلامين، وأنه عليه - الصلاة والسّلام - مؤيد من العلي الأعلى ما ينطق عن الهوى.
قوله - عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} (23) [البقرة: 23] .
هذه من مسائل النبوات، وهي تتضمن إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بتقريره معجزه وهو القرآن، وتقرير الدليل: أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم لو [كان كاذبا] في دعوى النبوة لأمكنكم أن تعارضوا معجزه - وهو القرآن - ولو بسورة منه، لكن لا يمكنكم معارضته؛ فيلزم أنه ليس بكاذب؛ فهو إذن صادق.