هذه الآية على أن للناس أربابا مع الله - جل الله - فأمرهم بعبادته دون سائر الأرباب ، وإن كانت العبادة لا تصلح إلا له فإعداد غيره ردا معه من أنكر المنكر وأبين الكفر ، كزعمه أنه أمره فِي سورة"اقرأ"، بقراءة اسمه المخلوق عنده دون غيره ، وهذا هو نهاية الجهل ، ومجاوزة الحد فيه لو تدبره.
رد على القدرية:
وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)
إذ قد أخبر عن نفسه بأنه يضلهم.
فإن قيل: فقد قال على إثره: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) فنسب النقض إليهم.
قيل: نحن لم نزعم أن الله لما قضى عليهم نقض العهود صار فعل النقض منسوبا إليه ، بل هو منسوب إلى الناقض ، وزعمنا أن الإيمان بتصديقه فِي كل ما أنزل فِي كتابه لازم لنا وفرض علينا ، فلما وجدناه مخبرا بإضلالهم عن نفسه ، وبالنقض عنهم صدقناه فِي جميعها ، فقلنا كما قال ، وآمنا بما أنزل ، ولم ننقض إحدى الآيتين بالأخرى. وكذا قولنا فِي كل ما كان من هذا النمط فِي القرآن من أن القضاء عليهم بالمعاصي والكفر منه ، والفعل بهما من فاعله ، والعقوبة عليه والظلم زائل عنه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) ، وأشباهها من الآيات ، ولم يكن لنا فِي علم كيفية ذلك فائدة إذ ليس
هو مما كلفناه ، وهو شيء من فعله وصنعه ، ولا ضرنا لحوق الحيرة بنا ، إذ حجبنا عن معرفة كيفية علمه ، كما هو عنده ، إذ نحن عبيد لا يؤثر نقصان العلم فِي عبوديتنا ، ولا يجوز لنا مزاحمة مالكنا فِي علمه بنا وصنعه فينا.
وهذا هو موضع إرهاقهم ، وأخذ الضيق عليهم ، إذ لا يجدون محيصا من الوقوع فِي الكفر الصريح بتكذيبه فِي أحدهما ، أو الرجوع إلى قولنا إن رغبوا فِي المحاماة على الإيمان.
وهي ثلاثة أشياء: نفي الظلم عن نفسه ، ونسبته إضلال القوم إليه ، وإخباره بالفعل عنهم.