وقيل: إن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على الله وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من الله عز وجل، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي في شريعته، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم.
عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه، وعنه لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار.
(والله عليم بالظالمين) فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الكفر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به.
(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ...(96)
أي تعمير ألف سنة، وإنما خص الألف بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة، ولأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون"زي هزارسال"أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان، فهذه تحيتهم، وهذا كناية عن الكثرة فليس المراد خصوص هذا العدد، والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك.
(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ...(97)
وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وخزانة الحفظ وبيت الرب، وقد قيل إنه في الدماغ.