«إن قلت» : إن مقتضى هذه الآية إن النعمة تمت الآن ومقتضى ما يأتي في سورة المائدة في قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] أنها لم تتم إلا حين نزولها وهو يوم عرفة في حجة الوداع؟
أجيب بأن النعمة مقولة بالتشكيك، فالمراد بها هنا استقبال الأشرف الذي هو الكعبة والمراد بها هنا الدين، قوله: {مِّنْكُمْ} هذه نعمة أخرى فوق أصل الإرسال لأنه لو كان ملكاً لما استطاعوه لأن علة الانضمام المجانسة.
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }
أي كالتهليل والتحميد، وإنما قال بالصلاة لأن الذكر إما باللسان أو الجوارح أو بالجنان، ولا شك أن الصلاة جامعة لكل ذكر، فالقراءة والتكبير والتسبيح والدعاء ذكر لساني، والركوع والسجود ذكر بالجوارح والخشوع والخضوع والمراقبة ذكر قلبي، قوله: أي خالياً وبعيداً عن الخلق، قوله: (ذكرته في نفسي) أي أعطيه عطايا لا يعلمها غيري، قوله: (ومن ذكرني في ملإ) أي بين الناس، قوله: (ذكرته في ملإ) أي أعطيته عطايا ظاهرة لعبادي وأظهر فضله لهم،
«إن قلت» : إن الإنسان قد يذكر الله بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كالصحابة فأي ملأ خير من النبي؟ قلت: أجيب بأن الشيء يشرف بما نسب إليه، فإن المجلس ينسب لكبيره وفرق بين حضرة الله وملائكته، وبين حضرة النبي وأصحابه، وأيضاً كون النبي في حضرة الله أشرف من نفسه في حضرة أصحابه، فمعنى قوله خير من ملئه ذكرته في حضرة النبي والملائكة المقربين في الملأ الأعلى، ولا شك أن تلك الحضرة لا يعدلها شيء أبداً، والملأ بالقصر الجماعة الأشراف.
وقيل معنى اذكروني تذللوا لجلالي، أذكركم أكشف الحجب عنكم وأفيض عليكم رحمتي وإحساني وأحبكم وأرفع ذكركم في الملأ الأعلى لما في الحديث:
"ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً"