تنبيه: كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} وقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريراً منهم له وطمعاً في رجوعه {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أي: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب فيما هو فيه.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟
أجيب: بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا لحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} خطاب مع النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض والتقدير.
{مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ} بين لك {مِنَ الْعِلْمِ} بالوحي في القبلة {إِنَّكَ إِذَاً} إن اتبعتهم {لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: من المرتكبين الظلم الفاحش، وفي هذا لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى وتهييج للثبات على الحق، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه.