{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} أي: الأسس والجدر {مِنَ الْبَيْتِ} حكاية حال ماضية كأنه قال إذ كان يرفع.
فإن قلت: وأي فرق بين العبارتين؟
أجيب: بأنَّ في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين
{وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ} أي: أولادنا {أُمَّةً} أي: جماعة {مُسَلَّمَةٌ} خاضعة منقادة {لك} ومن للتبعيض أي: واجعل بعض ذرّيتنا وإنما خصا الذرّية بالدعاء؛ لأنهم أحق بالشفقة؛ ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم الأتباع.
ألا ترى أنَّ المتقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم وخصا بعضهم لتقدّم قوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فعلما أنَّ في ذرّيتهما ظلمة، وأنّ الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاق الناس كلهم على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى الذين صرفوا أنفسهم إلى الدنيا، لخربت الدنيا ويصح أن تكون (مِن) للتبيين كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ}
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
{وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} بالرسالة والخلة {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} الذين لهم الدرجات العلا وفي هذا حجة وبيان لخطأ من رغب عن ملته؛ لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين وكان مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان حقيقاً بالاتباع لا يرغب عنه إلا سفيه أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.