أي: دينهم أي: لن ترضى عنك اليهود إلا باليهودية ولا النصارى إلا بالنصرانية.
وفي هذا مبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم وذلك أنهم كانوا يسألونه الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته؟
قال البيضاوي: ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولذلك قال: {قل} تعليماً للجواب {إِنَّ هُدَى اللَّهِ} الذي هو الإسلام {هُوَ الْهُدَى} أي: هو الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدي إنما هو أهواء ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلَن} اللام لام القسم {اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} أي: آراءهم الزائغة التي يدعونك إليها الخطاب معه صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمّته كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (الزمر، 65) {بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} يحفظك {وَلاَ نَصِيرٍ} يمنعك منه.
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }
{لاَ يَنَالُ} أي: لا يصيب {عَهْدِي} بالإمامة {الْظَّالِمِينَ} منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه.
وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة؛ لأنها إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة والأتقياء منهم، وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة، وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدّم للصلاة.
تنبيه: (مِن) في {مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ} للتبعيض. وقيل: بمعنى (في) وقيل زائدة.