وأمَّا تعريف» الأنهار»، فالمرادُ به الجنس، كما يقال: لفلان بستانٌ فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشيرُ إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى أنهاٍ مذكورةٍ في قوله: {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: 15] .
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} مع قوله: «قالُوا: هذا الذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ» - هذا صيغةُ عموم، فيشمل كُلُّ الأوقاتِ التي رُزِقوا فيها، فيدخل فيه أوّل مَرّة رُزِقوا في الجنَّة، فلا بُدَّ وأن يقولوا: «هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ» فما الجواب على قولنا بَأَنَّ المشبَّه به ثِمَارُ الآخِرة؟
والجواب أنَّ عمل ذلك على ما وعدوا به في الدُّنْيَا، أو يكون تقدير الكلام: هذا الَّذِي رُزِقْنَا في الأَزَلِ.
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال (مُطَهَّرَةٌ) ولم يقل طاهرة؟
الجوابُ: في المُطَهَّرةِ إشعارٌ بأنَّ مُطَهِّراً طَهَّرَهُنَّ، وليس ذلك إلاَّ الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أهل الثواب، كأنَّهُ قيل: إنَّ الله - تعالى - هو الَّذي زَيَّنَهُنَّ.
قال مُجَاهد: «لا يَبُلْنَ ولا يَتَغَوَّطْنَ وَلاَ يلِدْنَ وَلاَ يَحِضْنَ، وَلاَ يُبْغَضْنَ» .
وقال بعضه: «مُطَهَّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأَبْلَغ» .
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24] ، و {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور} [سبأ: 13] ؟
فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛ كقوله: [البسيط]
335 -إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ ... قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا