ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال.
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقاً من باب الهدى، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة. وأهل الهدى كثير في أنفسهم
وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة.
إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(27)
وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود:
العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدم} [الأعراف: 172] الآية.
وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى: {وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ} [الأحزاب: 7] .
وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى: {وَإِذَا أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)
وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بـ (ثم) لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور.