واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصورًا على: المساكن والمطاعم، والمناكح، على ما دل عليه الاستقراء كان ملاك ذلك كله الدوام والثبات، فإن كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم، بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ...(26)
والحياء: انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة: التي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها.
والخجل: الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.
واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها.
وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث
«إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه» .
«إن الله حي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا»
فالمراد به الترك اللازم للانقباض، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما، ونظيره قول من يصف إبلا:
إذا ما اسْتَحينَ الماءَ يعْرضُ نَفْسَه ... كَرَعْنَ بسَبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ
وإنما عدل به عن الترك، لما فيه من التمثيل والمبالغة، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة.
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)