فصل
وإذا عُلم صدق الرسل-عليهم الصلاة والسلام-لدلالة المعجزة وجب تصديقهم في كل ما أتوا به عن الله تعالى، ويستحيل منهم الكذب عقلا، والمعاصي شرعا؛ لأنا مأمورون بالإقتاء بهم فلو جازت عليهم المعصية لكنا مأمورين بها، {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] .
وبهذا تعرف عدم وقوع المكروه منهم، بل والمباح على الوجه الذي يقع من عيرهم، والله تعالى التوفيق.
فصل
ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم قد عُلم ضرورة ادعاؤه الرسالة، وتحدى بمعجزات لا يُحاط بها، وأفضلها القرآن العظيم الذي لم تزل تقرع أسماع البلغاء بتضليل كل دين غير الإسلام آياته، وتحرك لطلب المعارضة على سبيل التعجيز حمية اللسن المتوقدي الفطنة، والأقوياء العارضة، نظما ونثرا، الخائضين في كل فنّ من فنون البلاغة طولا وعرضا، بحيث لا تفلت من معارضتيهم أمنع كلمة وإن لم يُعرض فيها بعجزهم، فكيف وهم يسمعون في تعجيزهم صريح قوله تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13] ، ثم تنزل معهم فقال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] ، ثم صرّح بعجز الجميع، جنهم وإنسهم، مفترقين أو مجتمعين، فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .