والسمع البصر والإدراك-على القول به-بكل موجود أما عدم النهاية في متعلقاتها فلأنها لو اختصت ببعض ما تصلح له لاستحال ما عُلم جوازه، أو افتقرت إلى مخصص لا يقال: جاز التعلق بالجميع، لكن منع منه مانع لأنا نقول: المانع إن ضاد الصفة لزم عدمها، وعدم القديم محال، وإلا فلا أثر له وأيضا فالتلق فالتعلق نفسي، يستحيل أن يمنع منه مانع والمانع في حقنا إنما منع وجود الصفة لتعددها بالنسبة إلينا، بدليل صحة ذهولنا عن أحد المعلومين مع بقاء الآخر، لا تعلقها.
وأما دليل وحدتها فلأنها لو تعددت بتعدد متعلقاتها للزم دخول ما لا نهاية له عددا في الوجود، وهو محال وإلا لم يكن لبعض الأعداد ترجيح على بعض، فتفتقر في تعيين بعضها إلى مخصص وذلك يوجب حدوثها، وقد تبين وجوب قدمها، هذا خلف، فتعين إذا وجوب وحدتها.
فإن قلت: العلم في حقنا متعدد بحسب تعدد متعلقه، وكذا غيره فلو قام العلم مثلا في حقه تعالى مقام علوم لجاز أن يقوم في حقه تعالى مقام القدرة وسائر الصفات بجامع قيامه مقام صفات متغايرة، بل ويلزم عليه أن يجوز قيام ذاته مقام الصفات كلها، وذلك مما يأباه كل مسلم.
قلنا: الفرق أن التغاير في العلوم الحادثة لأجل التغاير في المتعلق مع الاتحاد في النوع، فحيث فرضت الوحدة في العلم مثلا زال التغاير، أما العلم والقدرة وسائر الصفات فمتغايرة في حقائقها جنسا، فلو قام بعضها مقام بعض لزم قلب الحقيقة، ولزم ما تعدم في مسألة (( سواد حلاوة ) ).