صفحة رقم: 110
-وقد قال مؤبذ من المؤابذة. إن الموت إذا اقترن بحسن الذكر [ص 60] خير من أن يعيش المرء حيا يشمت به أعداؤه ... !!
-وإذا أردت أن يبقى ذكرك عاليا، فتأمل ... ولا تنأ بقلبك عمن أصابه ألم وكرب ... !!
و قد دعا ابراهيم الرسول - صلوات الرحمن عليه، وكان حبر الملة ووالد الأمة والخليل الجليل ومعمر الكعبة - دعا ربّه فقال: «واجْعَلْ لِي لِساانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» 1. وأيا كان تفكير العقلاء فإن الوصول إلى حسن الذكر لا يتأتى بالمال والبنين ولا بكثره الحسب والنسب، ولا يبقى حسن الذكر إلا بتصنيف الكتب والأشعار القيمة، ولا يبقى للناس ذكر إلا بالفوائد العلمية، ولا يبقى للملوك من سائر ما يجمعونه من الخزائن والدفائن والجواهر الزواهر إلا الخير الذى يصنعونه من المال الحلال. فالصدقة سبب في ثواب الآخرة، وقد جعلوا مقابلها عشرة أضعاف، قال اللّه تعالى: «مَنْ جااءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثاالِهاا» 2، ولا شك أن أوقاف المدارس والخانقاهات إنما تبذل للدرس ولنيل ثواب الآخرة.
فإن الخزانة يأخذها الوارث، والمرأة يأخذها زوج آخر، والجواد يدخل في ملك شخص آخر غير صاحبه، ويغير على هذه الأشياء المغيرون. فأما المدرسة أو الخانقاه إذا صنعت لوجه اللّه فإنها تبقى حسن الذكر إلى يوم القيامة كما تجلب ثواب الآخرة. قال رسولنا محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام: «ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» فجعل الإفناء في مقابل الأكل، والإبلاء في مقابل اللبس، والصدقة في مقابل الإبقاء.
و قال كذلك: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: صدقة جارية.
(1 ) ) سورة الشعراء، آية 84.
(2 ) ) سورة الأنعام، آية 161.