صفحة رقم: 586
بالأرض، فيحلق الطائر في الفضاء، ويعانى الثعبان الألم والهلاك. فقالوا:
«إن رأيكم السامى لهو الأرجح» . فنفذ الملك رأيه ونجا الطائر وطار وتوارى عن الأنظار. وبعد مدة نزل الطائر في نفس الموضع مستبشرا مرحا، وكان في منقاره خمس حبات من العنب فوضعها على الأرض في خضوع ثم غاب عن الأنظار، فقال الملك: «إنه جاء بهذه الحبات كرد للجميل الذى صنعناه معه، فأحضروها لنرى ما هى ... ؟!» فلما نقلوها إلى جوار العرش، قال الملك: «ماذا عساها أن تكون ... ؟!» قالوا: «إن هذه من نوادر الدهر وغرائب العصر، فلم تر أعيننا مثل هذا الشئ، ولم تسمع آذاننا بمثل هذه الحادثة» . فأحضروا طوائف مختلفة من الناس من العلماء والحكماء والأطباء والدهاقين والرهبان والفلاسفة والعطارين والبقالين والزراع، ثم جاءوا بهم إلى الملك فكان كل واحد يقول كلاما وينظم قولا.
و أخيرا اتفقوا على أن هذه الحبات مهما يكن نوعها فلن تستبين [ص 424] بهذه الصورة، وينبغى دفنها في الأرض ليرى ما ينبت منها. فبحثوا عن مكان حصين على شاطئ نهر، وزرعوا الحبات على حافة مزرعة، وبالغوا في العناية بها حتى ظهر نبت من كل منها بعد مدة، كان يفوق في خضرته ما لأجنحة الطاووس من شهرة. ووصل الخبر إلى كيقباد، فتجشم المشقات ورآها، ووصى بمزيد العناية بها حتى تثمر عنبا وتظهر خاصيتها. ثم قالوا: إن هذا النبات ناضر الخضرة وقد قارب النضج، فينبغى أن نكثر من زراعته ليصير زينة الحدائق وحلية الرياض. فلما كثر لم يستطيعوا أكله، لأنهم لم يقفوا على منافعه ومضاره.
فقال الملك: «من الممكن أن تكون منفعته في الشراب» فلما عصروه ووضعوه في الدنان تخمر، فتعجب الفلاسفة من ذلك، واتفقوا على أنه ينبغى أن يحضروا جماعة ممن أهدرت دماؤهم، حتى تجرى عليهم التجربة؛ فأحضروا ثلاثة أشخاص