إن تبديل الأرض والسماوات من المسائل المشكلة الشائكة و التوفيق بين النصوص الواردة في تبديل الأرض والسماوات يوم القيامة.
* فبعضها يفيد حصول تبديل الأرض والسماوات بتفطر السماء وتكوير الشمس وتساقط النجوم ومد الأرض وتفجير البحار وتسيير الجبال وغير ذلك - سواءٌ على:
1 -القول بأن التبديل تبديل (( ذات وصفات معاً ) )
2 -أو على القول بأنه تبديل (( صفات فقط - بين النفختين ) )، بحيث يحشر الناس على الأرض بعد تبديلها، فمنه ما رواه البخاري سهل بن سعد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقي قال سهل أو غيره ليس فيها معلم لأحد]
* بينما تفيد بعض النصوص أن التبديل يقع أثناء مرور الناس على الصراط، فمنه ما رواه مسلم عن عائشة أنها"سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية (يوم تبدل الأرض غير الأرض) أين يكون الناس حينئذ؟ قال: على الصراط"وفي رواية الترمذي"على جسر جهنم"ولأحمد من طريق ابن عباس عن عائشة"على متن جهنم"وأخرج مسلم أيضا من حديث ثوبان مرفوعا"يكونون في الظلمة دون الجسر".
ومعلوم أن المرور على الصراط للمؤمنين (أتقياء - عصاة) يكون بعد النفخة الثانية وبعد الحشر والحساب
وللعلماء في التوفيق بين هذه النصوص طرق، منها:
1)الطريقة الأولى: أن التبديل يقع مرتين:
1 -فأرض الدنيا تبدل بين النفختين إلى خبزة هي أرض المحشر، فتبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها.
2 -ثم تبدل أرض المحشر إلى نزل لأهل الجنة أثناء مرور المؤمنين على الصراط، فالأرض والسموات تبدل وتزال ويخلق الله أرضاً أخرى يكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر وهو الصراط قال الله تعالى (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) )آل عمران (133)
(( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) )الحديد (21) فلا تبقى أرض المحشر و إنما جنة و نار فقط.
قال الحافظ في الفتح يمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها ويؤيده ما وقع في الحديث الذي قبله أن أرض الدنيا تصير خبزة والحكمة في ذلك ما تقدم أنها تعد لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف ثم تصير نزلا لأهل الجنة. اهـ
وكذلك نقل القرطبي في"التذكرة"_ ونقله عنه الحافظ في الفتح _ عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب"الإفصاح"أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السماوات والأرض يقع مرتين. اهـ
قلت: لكن جعل ابن حيدرة إحدى المرتين عند نفخة الصعق والثانية بين النفختين، ولعل الصواب أن المرة الأولى بين النفختين (( تبديل صفات ) )والثانية أثناء مرور الناس على الصراط (( تبديل ذات و صفات معا ) )جمعاً بين النصوص، وهذا الوجه أقوى أوجه الجمع والله أعلم (القرطبي في"التذكرة) ."
قلت (ج) : هذا القول الذي سبق هو الذي نعتمده في دراستنا ليوم القيامة (الصواب أن المرة الأولى بين النفختين(( تبديل صفات ) )والثانية أثناء مرور الناس على الصراط (( تبديل ذات و صفات معا ) )جمعاً بين النصوص)
2)الطريقة الثانية: أن التبديل لبعض الأرض في وقت ولبعضها في وقت،
يستفاد هذا الوجه في الجمع من قول الحافظ في الفتح: وأما ما أخرجه الطبري من طريق المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود قال: الأرض كلها تأتي يوم القيامة فالذي قبله عن ابن مسعود أصح سندا ولعل المراد بالأرض في هذه الرواية أرض البحر فقد أخرج الطبري أيضا من طريق كعب الأحبار قال: يصير مكان البحر نارا وفي تفسير للربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب: تصير السماوات جفانا ويصير مكان البحر نارا وأخرج البيهقي في"البعث"من هذا الوجه في قوله تعالى (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) قال: يصيران غبرة في وجوه الكفار. قلت: ويمكن الجمع بأن بعضها يصير نارا وبعضها غبارا وبعضها يصير خبزة. اهـ