المبحث الأول البعث ضرورة شرعية وعقلية:
أما تعريف البعث في اللغة: فإنه يختلف بحسب ما علق به فالبعث يطلق ويراد به المعاني الآتية:
1 ـ الإرسال: يقال بعثت فلانًا، أو ابتعثه أي: أرسله.
2 ـ البعث من النوم: يقال بعثه من منامه إذا أيقظه.
3 ـ الإثارة: وهو أصل البعث ومنه قيل للناقة بعثتها إذا ... أثرتها وكانت قبل باركة
وجاء في القاموس:"بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث والناقة أثارها، وفلانًا من منامه أهبه ... وتبعث مني الشعر انبعث كأنه سال"
وجاء في تهذيب اللغة:"قال الليث: بعثت البعير إذا فانبعث إذا حللت عقاله وأرسلته لو كان باركًا فأثرته، والبعث في كلام العرب على وجهين:"
أحدهما: الإرسال كقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى} معناه: أرسلناه.
الثاني: والبعث أيضًا: الإحياء من الله للموتى ومنه قوله ـ جل وعلا ـ {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} 1 أي: أحييناكم2.
وأما تعريف البعث في الشرع:
فيراد به إحياء الله ـ تعالى ـ الأموات وإخراجهم من قبورهم، وهم أحياء للحساب وللجزاء كما ذكر الله ـ تعالى ـ: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} 3 وقال تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} 4.
وقال الحافظ ابن كثير:"البعث وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة"5.
وقال أبو هلال6 العسكري:"بعث الخلق اسم لإخراجهم من قبورهم إلى الموقف ومنه قوله ـ تعالى ـ: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} 7."
وجاء في لوامع الأنوار:"أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده يكفر منكره"8.
والحاصل أن البعث: هو أن يعيد الله ـ تعالى ـ الإنسان بروحه وجسده كما كان في الحياة الدنيا، وهذا كائن عندما تتعلق إرادة ـ الرب جل وعلا ـ بذلك فيخرج الخلق جميعهم من قبورهم، وهم حفاة عراة غرلا بُهم. ويساقون إلى أرض الموقف لينال كل إنسان ما يستحقه من الجزاء العادل وفق ما عمل في حياته الدنيا.
وعند المقارنة بين المعنى الشرعي لكلمة"البعث"والمعنى اللغوي نجد ترابطًا وثيقًا إذ من معاني"البعث"في اللغة التحريك والإثارة لما كان ساكنًا قبل ذلك، وكذلك الإرسال كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ} .
فالمعنى الشرعي: هو أن يرسل الله ـ تعالى ـ الحياة إلى الأموات ويثيرها من جديد لتتمكن من المراد منها وهو الإسراع من الأجداث إلى موقف الحساب. وقد دلت سورة"الزمر"على من أن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان ببعث هذه الأجساد الدنيوية وإعادتها بعينها روحًا وجسدًا قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} .
أولا: إن الله خلق الخلقَ لغايةٍ محددة في الدنيا إلى أجلٍّ مسمًّى، فإذا كان كذلك، فإنَّ الحياةَ الدنيا لا يمكن أن تكون آخر المطاف، حتى يعلمَ الله المصلحَ من المفسد، ويجازي كلا بعمله، قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (115) سورة المؤمنون.
ثانيا: اتفاقُ الرسالات السماوية جميعا على أن الناسَ سوف يموتون ويبعثون ليوم يجازون فيه على أعمالهم. بل وحتى الأديانِ الأرضية تقومُ على حقيقة البعثِ والجزاء.
ثالثا: شعورُ كلِّ الناس قديما وحديثا بوجود حياةٍ أخرى يلقى فيها الإنسان جزاءَ عمله الذي قام به في هذه الدنيا من خير أو شر. وهذه الغريزة ُالموجودة في نفس الإنسان هي التي تجعله يعرف الخيرَ بالجملة ويحبُّ فعله، ويعرف الشرَّ كذلك ويكرَهُ فعله وفاعله. فهذا الشعورُ ينبعثُ من إحساسِ الإنسان ِبوجود حياة أخرى يجازَى فيها على عمله، ويستحيلُ أن يتفقَ شعورُ الناس قاطبةً على ذلك، ثمَّ يكونُ منطلقَ ذلك ونهايتَه وهمٌ وخيالٌ.
رابعا: نشاهدُ في حياتنا الدنيا ظالمينَ بقوا على حالهِم حتى الموت، ومظلومينَ كذلك حتى آخر حياتهِم، فإذا كانتِ الحياة الدنيا هي نهايةَ المطافِ، فهل يكونُ ذلك عدلًا وحكمةً!! .
كما أننا نشاهدُ في الأرض كفارًا ومؤمنينَ، وكلٌّ منهم يظلُّ على حالهِ حتى مماتهِ- مع اختلافِ أعمالهم في الحياة الدنيا- فهلْ من العدلِ أن يسوَّى بينهم بأن يكون الموتُ هو ختامَ الرواية ولا شيءَ بعده!!.
قال الله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (28) سورة ص، وقال تعالى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (21) سورة الجاثية.
1 -سورة البقرة آية: 56.
2 -تهذيب اللغة 2/ 334 ـ 335، المفردات في غريب القرآن ص52 ـ 53.
3 -سورة القمر آية: 7.
4 -سورة المعارج آية: 43.
5 -تفسير ابن كثير 4/ 614.
6 -هو: الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري أبو هلال من علماء الأدب، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة هجرية، انظر ترجمته في"خزانة الأدب"للبغدادي 1/ 112، معجم البلدان 5/ 124 الأعلام 2/ 211 ـ 212.
7 -كتاب الفروق ص284 والآية رقم 52 من سورة يس.