ففي ختام ذلك يوم الحشر العظيم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، يقول القرطبي:"وإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها" (*) .
وقد دلت النصوص على أن الميزان ميزان حقيقي، لا يقدر قدره إلا الله تعالى، فقد روى الحاكم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (**) .
وهو ميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] .
وقد اختلف أهل العلم في وحدة الميزان وتعدده، فذهب بعضهم إلى أن لكل شخص ميزاناً، خاصاً، أو لكل عمل ميزاناً لقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [الأنبياء: 47] .
وذهب آخرون إلى أن الميزان واحد، وأن الجمع في الآية إنما هو باعتبار تعدد الأعمال أو الأشخاص (( قلت و هو الصحيح ) ).
وقد رجح ابن حجر بعد حكايته للخلاف أن الميزان واحد، قال:"ولا يشكل بكثرة من يوزن عمله، لأن أحوال القيامة لا تكيف بأحوال الدنيا" [1] .
وقال السافريني:"قال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان. قال بعضهم: الأظهر إثبات موازين يوم القيامة لا ميزان واحد، لقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ) ، وقوله: (فمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) [الأعراف: 8] . قال: وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. أورد هذا ابن عطية وقال: الناس على خلافه، وإنما لكل واحد وزن مختص به، والميزان واحد. وقال بعضهم إنما جمع الموازين في الآية الكريمة لكثرة من توزن أعمالهم. وهو حسن" [2] .
(*) تذكرة القرطبي: 309.
(**) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (2/ 656) . ورقم الحديث: 941.
(1) فتح الباري: (3/ 537) .
(2) لوامع الأنوار البهية: (2/ 186) .