5 -شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه. وهي الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، فقد مات على الكفر وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، بل قال: هو على ملة عبد المطلب، لكن خفف عذابه لإيوائه للنبي صلى الله عليه وسلم، ودفاعه عنه، فيشفع له النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخفف عنه العذاب.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ) (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ) "
وفي رواية: (وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَارٍ , يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ") متفق عليه"
وقال الحافظ ابن حجر:"لعله تنفعه شفاعتي"ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي واستشكل قوله صلى الله عليه وسلم:"تنفعه شفاعتي"بقوله ـ تعالى ـ {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وأجيب بأنه خص ولذلك عدوه في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث والمراد بها في الآية الإخراج من النار وفي الحديث"المنفعة بالتخفيف"أهـ (*) .
وعَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ , هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ , فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ , فَقَالَ:"نَعَمْ , هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ"متفق عليه
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ، يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ» . مسلم
أي: كانت تغمره النار من جميع الجهات فأخرج إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه، وهو يظن أنه أشد الناس عذاباً من شدة ما يجد وهو أخفهم، هذه شفاعة تخفيف خاصة به.
إن أبا طالب قد مات كافرًا باتفاق أهل العلم، كما اتفقت عليه الأحاديث الصحيحة، ففي الصحيحين عن ابن المسيب بن حزن عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ويعود له ويعودون عليه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك فأنزل الله تعالى:
{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (1) .
وأنزل في أبي طالب:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (1) .
وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا، وقال فيه «قال أبو طالب لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} » (2) .
إن أبا طالب لعنه الله؛ قد صدق بالنبي صلي الله عليه وسلم، وعلم وتيقن صدق ما جاء به، ولكنه لم ينقد لأوامر الله تعالى (شرط من شروط الإيمان: الانقياد وضده الترك) فلم ينفعه ذلك ومحبته له، بل هو كافر مشرك خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله؛ إلا أنه يخفف عنه العذاب بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة لأبي طالب في تخفيف العذاب فقط؛ حيث إنه حماه وذاد عنه بنفسه وأهله، وكان يحوطه وينصره، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. نسأل الله العافية. فالانقياد شرط، فإذا انتفى الشرط؛ انتفى المشروط.
قال القرطبي: بعد أن ذكر هذا النوع من الشفاعة فإن قيل: فقد قال ـ تعالى ـ {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} سورة المدثر آية: 48. قيل له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون ويدخلون الجنة"أ. هـ (4) ."
(*) فتح الباري 11/ 431.
(1) .سورة التوبة آية: (113) .
(2) سورة القصص آية (56) أخرجه مسلم ص (54) والبخاري ك (23) ب (81) .
(3) أخرجه مسلم ص (55)
(4) - التذكرة ص249.