فمما تقتضيه مصلحة التجارة والصناعة والزراعة، وما إليها من الأعمال الاقتصادية الأخرى، إن الذين يشتركون فيها من أي وجه من الوجوه ينبغي أن تكون مصالحهم وأغراضهم وميولهم متحدة متجهة إلى ترقيتها والارتفاع بها، وأن تكون خسارتها خسارتهم جميعًا حتى يسعوا مجتمعين للسلامة من خطرها وإنقاذ أنفسهم من الوقوع فيه، وأن يكون ربحها ربحهم جميعًا ليستفيدوا من جهودهم في ترقيتها، فكان مما توجبه المصلحة الاقتصادية من هذه الناحية أن الذين يشتركون في التجارة أو الصناعة أو الزراعة لا بقواهم الذهنية أو البدنية ولكن برؤوس أموالهم فقط، ينبغي أن يكون مشاركتهم أيضًا من هذا النوع نفسه حتى يكونوا على اتصال بها كغيرهم ويسعوا معهم في ترقيتها وإنقاذها من الوقوع في الخسارة.
ولكن لما باح القانون الربا، انفتح على وجوه أصحاب الأموال أن يستغلوا أموالهم في التجارة والصناعة لا من حيث هم شركاء فيها بل على أن يكون منهم دينًا فيها، وألا يزالوا يحصلون كذلك على ربحهم من التجارة والصناعة حسب سعر معين سنة فسنة، وشهرًا فشهرًا، فأنت ترى أنه يشترك هكذا في عمل المجتمع الاقتصادي عامل غير فطري لا يهمه قليلًا ولا كثيرًا ربح هذا العمل أو خسارته مثل ما يهمهم سائر المشتركين فيه.
وهكذا لا يزال هذا العامل الاقتصادي العجيب يعطي ماله لتجارة البلاد وصناعتها بالكراء، وينال منهما كراءه المعين، دونما خوف أو خطر أو خسارة مع اعتزاله عنها اعتزالًا كليًا.
وهذا الطريق الخاطئ قد أقام العلاقة ما بين رأس المال والتجارة على الأثرة والعداوة لا على التعاون والتساند.