المبحث الأول: الآثار النفسية والخلقية للربا (3) .
أنزل الله دينه ليقيم العباد على منهج العبودية الحقة التي تعرج إلى مدارج الكمال وتسمو بهم إلى المراتب العليا، وبذلك يتخلصون من العبودية، ليقصروا أنفسهم على عبادة رب الخلائق، ويتخلصون بذلك من الدخل الذي يخالط النفوس في تطلعاتها ومنطلقاتها، إن الإسلام يريد أن يظهر العباد في نفوسهم الخافية المستورة، وفي أعمالهم المنظورة وتشريعات الإسلام تعمل في هذين المجالين، وهذا الذي نشير إلى أن الإسلام يريد بناءه الذي سماه القرآن الكريم التزكية والتطهير {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} سورة التوبة الآية (103) وقد أقسم الله في سورة الشمس أقسامًا سبعة على أن المفلح من زكاها، أي نفسه، والخائب من دساها {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} سورة الشمس الآيتان (9 - 10) والربا واحد من الأعمال التي تعمق في نفس الإنسان الانحراف عن المنهج السوي ذلك أن المرابي يستعبده المال، ويعشي ناظريه بريقه فهو يسعى للحصول عليه بكل سبيل، وفي سبيل هذا الهدف يدوس القيم، ويتجاوز الحدود ويتعدى على الحرمات، إن الربا ينبت الجشع في النفس الإنسانية، كما ينبت الحرص البخل وهما مرضان ما اعتورا نفسًا إلا أفسدا صاحبها، ومع الجشع والبخل تجد الجبن والكسل فالمرابي جبان يكره الإقدام، ولذلك يقول المرابون والذين ينظرون لهم: إن الانتظار هو صنعة المرابي، فهو يعطي ماله لمن يستثمره، ثم يجلس ينتظر إنتاجه لينال حظًا معلومًا بدل انتظاره، وهو كسول متبلد لا يقوم بعمل منتج نافع، بل تراه يريد من الآخرين أن يعملوا ثم هو يحصل على ثمرة جهودهم، ولعل الآية القرآنية تشير إلى هذا المعنى {وما آتيتم من ربًا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} سورة الروم الآية (39) فالآية تشير إلى أن المرابي يعطي له للآخرين كي ينمو من خلالها، والربا يحدث آثارًا خبيثة في نفس متعاطيه وتصرفاته وأعماله وهيئته،