والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن يعارضه بالعقل ألبتة لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع فإذا شهد مرة أخرى بفساده كانت دلالته متناقضة فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته
فإن قال أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل
قيل هذا لا يصح لوجوه أحدها أن الدليل العقلي دل على صدق الرسول وثبوت ما أخبر به مطلقا فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطا بعدم المعارض
الثاني أنك إن جوزت علي أن يعارضه العقل الدال على فساده لم تثق بشيء منه لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل على فساده فلا تكون قد علمت بعقلك صحته البتة وأنت تقول إنك علمت صحته بالعقل
الثالث أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له سواء كان حقا أو باطلا فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق بشيء من أخبار الرسول لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول ومن قال أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابط فإن تصديقه بالسمع مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان