فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها لكن لاعتقاده أنها تخالف العقل بل كثير من الأدلة السمعية التي يردونها تكون أقوى بكثير من الأدلة السمعية التي يقبلونها وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء بها لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها والسمع جعلوه عاضدا للعقل وحجة على من ينازعهم من المصدقين بالسمع لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم كما صرح بذلك أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم
وإذا كان كذلك تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة عقل الواحد أو لطائفة منهم أو مخالفة ما يسمونه عقلا لا يجوز إلا أن يبطلوا الأدلة السمعية بالكلية ويقولون إنها لا تدل على شيء وإن إخبار الرسول عما أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به وحينئذ فما لم يكن دليلا لا يصلح أن يجعل معارضا
والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق وأن ما أخبر به ثابت وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به فمن كان هذا معلوما له امتنع أن يجعل العقل مقدما على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بل يضطره الأمر إلى أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات ويصيب أو يخطئ أخرى في الطلبيات وهذا تكذيب للرسول وإبطال لدلالة السمع وسد لطريق العلم بما أخبر به الأنبياء والمرسلون وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله