الزائد أو الخارج عما يقتضيه العقد بين الطرفين المتعاقدين, فضلًا عن تحقيق التوازن في أحكام القانون المدني ذاته حيث أن القانون المذكور لا يقبل (بالغبن) حين إبرام العقد فحري به إذن أن لا يقبله في مرحلة تنفيذ العقد.
هذا بالإضافة إلى أن نظرية الظروف الطارئة تستند إلى مبدأ حسن النية الذي يتصل بمبدأي الإثراء بلا سبب وعدم التعسف في استعمال الحق, التي هي من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها أحكام القانون المدني.
الفصل الثاني
أحكام وتطبيقات نظرية الظروف الطارئة في القانون
والقضاء العراقي
قبل نفاذ القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 كان القانون المدني السائد يتمثل في مجلة الأحكام العدلية التي أخذت بنظرية الفسخ للعذر في عقد الإيجار التي تقترب في مفهومها العام من نظرية الظروف الطارئة حيث أنها تهدف إلى دفع الضرر عن أحد المتعاقدين أو تؤدي إلى فسخ العقد. وتنفسخ الإجارة بالأعذار كمن استأجر دكانًا في السوق ليتجر فيه فذهب ماله, وكمن أجر دارًا أو دكانًا ثم أفلس ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا من ثم ما أجر (38) .
بعدها صدر القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 وتم العمل به في 8/ 9/1953. حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 146 منه على ما يلي: (على أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلًا صار مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, جاز للمحكمة بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تنقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويقع باطلًا كل اتفاق على خلاف ذلك) .
وبمقتضى هذا النص تعتبر نظرية الظروف الطارئة في القانون العراقي من النظام العام وبالتالي لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها. وقد حال ذلك دون فرض المتعاقد القوي شروطه على المتعاقد الضعيف بإعفاء نفسه من تحمل تبعات الظرف الطارئ.
وسنتناول ذلك كله بالتفصيل من خلال ثلاثة مباحث وهي:
خصص المبحث الأول: شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة.
أما المبحث الثاني فقد تناول آثار النظرية في تنفيذ الالتزامات.
أما المبحث الثالث فتناول إزالة اختلال التوازن الاقتصادي في التزامات طرفي العقد.
المبحث الأول
شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة
إن اختلاف التوازن الاقتصادي في العقد بسبب الظروف الطارئة يرجع إلى وقوع حوادث استثنائية عامة غير متوقعة لا يمكن دفعها, تجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, وحتى يمكن إعادة التوازن الاقتصادي المختل عن طريق تطبيق النظرية لا بد من توفر شروط وهي:-
أولًا: أن يكون العقد متراخي التنفيذ:
تنطبق نظرية الظروف الطارئة على العقود التي يفصل بين إبرامها وبين تنفيذها فترة من الزمن يطرأ خلالها حادث استثنائي غير متوقع يؤدي إلى جعل تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين, فتنطبق النظرية على عقود المدة ذات التنفيذ المستمر أو الدوري كما تنطبق على العقود الفورية التي يتفق فيها على أجل لاحق لتنفيذ بعض التزامات المتعاقدين. لتحقق حكمة التشريع في الحالتين وهي إصلاح ما أختل من التوازن الاقتصادي للعقد في الفترة ما بين إبرامه وتنفيذه نتيجة للظروف الاستثنائية التي طرأت خلال هذه الفترة وذلك برفع الإرهاق عن المدين تمكينًا له من تنفيذ التزامه وهذا الإرهاق كما يحدث في الالتزامات التي تنفذ بصورة دورية أو مستمرة يحدث كذلك في الالتزامات المؤجلة التنفيذ (39) . ولكن لا يجوز إعمال أحكام نظرية الظروف الطارئة إذا كان تراخي تنفيذ الالتزام إلى ما بعد وقوع الظرف الطارئ راجعًا إلى خطأ المدين (40) . أما إذا كان العقد فوري التنفيذ فلا يمكن الاستناد إلى نظرية الظروف الطارئة بدعوى اختلال التوازن الاقتصادي بل يمكن الاستناد إلى نظرية الاستغلال إذا توافرت شروط الغبن مع التقرير (41) . وقد قضت محكمة التمييز: ( ... وقد تراخى الطرفان المتعاقدان في تنفيذ العقد لعدم تسديد بقية الثمن حتى أدركهما قانون الإصلاح الزراعي وهو من قوانين النظام العام ... كما أنه يعتبر حادثًا طارئًا أخل بالتوازن الاقتصادي المتعلق بالعقارات الزراعية وأدى إلى هبوط أقيامها مما يتحتم معه تدخل القضاء للموازنة بين مصلحة الطرفين وأنقاض الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن إقتضت الحاجة ذلك ... ) (42) .
ثانيًا: أن يكون الحادث طارئًا:
والمقصود بهذا الشرط أن تطرأ بعد إبرام العقد وقبل إكمال تنفيذه حوادث استثنائية عامة وغير متوقعة.