الاستثنائي من ناحيتين:
الأولى: إن هذا الشريط يجافي المنطق القانوني من حيث طبيعة الحادث والأثر الذي يترتب عليه, ذلك أن القوة القاهرة قد تكون أمرًا عامًا وقد تكون حادثًا فرديًا خاصًا بالمدين وربما تكون أشد وطأة من الحادث الطارئ العام بالنسبة إلى المدين فهي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلًا وهذه الاستحالة تؤدي إلى انقضاء الالتزام في حين أن الحادث الاستثنائي العام يجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا فقط فكيف يجوز بعد ذلك أن يشترط في الحادث الاستثنائي مالا يشترط في القوة القاهرة.
الثانية: إن اشتراط الوصف المذكور يخالف الاتجاه الجديد في نظرية الحوادث الطارئة الذي أخذت به تشريعات عديدة وفي دول مختلفة. بالإضافة إلى أن الوصف المذكور يضيق من نطاق هذه النظرية (48) . 3. أن يكون الحادث غير متوقع ولا يمكن دفعه: ويراد بهذا الشرط أن لا يكون في الوسع توقع الحادث وقت إبرام العقد. فالحادث غير المتوقع هو الحادث الذي يجاوز تقدير الطرفين عند إبرام العقد. والعبرة في الوقع بمعيار موضوعي وهو معيار الشخص المعتاد (49) وقوامه أن لا يكون في وسع الرجل المعتاد توقع وقوع الظرف الطارئ عند إبرام العقد. وكان مجلس الدولة الفرنسي أول من أخذ بهذا المعيار وصولًا إلى معرفة هل الحادث الطارئ متوقع الحصول أو غير متوقع (50) .
وبذلك فإن الحدث المتوقع لا يترتب عليه تطبيق نظرية الحوادث الطارئة ففي قرار لها قضت محكمة التمييز ( ... إن مناط تطبيق نظرية الظروف الطارئة هو أن يكون الحادث غير متوقع وكانت محكمة الاستئناف حسب سلطتها الموضوعية قد قررت بأن برودة الجو أمر متوقع وقد جرى بذلك قضاء هذه المحكمة لذا فلها مجال لتطبيق نظرية الظروف الطارئة ... ) (51) .
وتعتبر الحوادث التي ترافق إعلان الحرب وبدء عملياتها من قبيل الحوادث غير المتوقعة حيث قضت محكمة التمييز ( ... إن الحكم المميز غير صحيح لأن المميزة كانت قد قامت من جهتها بكل ما يترتب عليها من الواجبات فطلبت الأدوات الاحتياطية برقيًا, على أن تشحن بالطائرة لتأمين سرعة وصولها وحيث قد طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وهي الحوادث التي رافقت الاعتداء الإسرائيلي في الخامس من شهر حزيران 1967 وتوقف الشحن الجوي بين إنكلترا والعراق لذا لا تكون المميزة مسئولة عما نشأ من هذا الظرف الاستثنائي الذي لا دخل لها فيه ... ) (52) .
كما إنه إذا تم إبرام عقد معين في ظروف استثنائية فلا يحق للمدين في مثل هذه الحالة أن يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة بدعوى الظروف الاستثنائية ما دام بالإمكان توقع الآثار المترتبة عليها أو كانت معلومة لديه, وفي قرار لها قضت محكمة التمييز بما يلي ( ... إن حصول ارتفاع في أسعار المواد وفي الأيدي العاملة لم يكن من قبيل الحوادث الاستثنائية غير المتوقعة ... لأن هذا الارتفاع كان قائمًا ومعلومًا لدى الطرفين حتى التعاقد ... ) (53) .
هذا وينبغي أن يكون عدم التوقع نسبيًا لا مطلقًا فالحادث الطارئ الذي لا يمكن توقعه هو الحادث غير الممكن توقعه اعتياديًا ومما يدل على (اعتيادية الحادث) كثرة وقوعه, أما الحوادث النادرة فلا تعتبر متوقعة. وإذا كان العقد مبرمًا لمدة طويلة فإن احتمال وقوع الظروف الطارئة خلال مدة تنفيذه أكبر من احتمال وقوع الظروف الطارئة في حالة كون العقد مبرمًا لمدة قصيرة. وتتأثر درجة توقع الظرف الطارئ بحالة المتعاقد فيما إذا كان شخصًا أم شركة, فمهما أوتي المقاول الشخص من إمكانات وقدرات فإن إمكانية توقعه للظرف الطارئ تكون محدودة بخلاف الشركة وبما تملكه من إمكانيات وخبرات في توقع الظرف الطارئ (فالشركة المتخصصة بالتجارة مثلًا تكون على دراية بالأزمات والاختناقات التي تحصل في الموانئ) . وبمثل هذا قضت محكمة التمييز في قرارها المرقم 137/ 84/85 في 9/ 2/1986 (54) .
ويترتب على أن الحادث لا يمكن توقعه أن يكون نصًا مما لا يستطاع دفعه فالحادث الذي بالإمكان وقعه يستوي في شأنه أن يكون متوقعًا أو غير متوقع ذلك أن الحادث الذي لا يمكن دفعه هو الذي ليس بإمكان المتعاقد أن يتفاداه وأن يتوقى آثاره فإذا كان بإمكانه دفع هذا الحادث وتوقي آثاره ولم يفعل كان مخطئًا وعليه أن يتحمل نتيجة خطأه وليس له المطالبة بتطبيق نظرية الظروف الطارئة للاستفادة من حمايتها. ومن أبرز الأمثلة على الحوادث التي لا يمكن دفعها الحرب والتمرد والزلازل وثورات البراكين.
أن إرهاق المدين يعتبر من أهم الشروط التي يجب الاعتماد عليها للقول بأن هناك إختلالًا في التوازن الاقتصادي في العقد ومن ثم تطبيق نظرية الظروف الطارئة على الواقعة محل النزاع وعلى أن تتوافر الشروط الأخرى المقتضية لذلك. والملاحظ على المشرع العراقي أنه تجنب تحديد معنى الإرهاق, وبذلك فإنه ترك أمر تحديده إلى القضاء لكنه على العموم ينطوي على الخسارة الجسيمة المؤكدة والثابتة التي تصيب المدين جراء تنفيذه لالتزاماته المترتبة عليه بموجب العقد الذي هو طرف فيه (55) . ويؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي.
وهذا الأمر هو الذي يميز نظرية الظروف الطارئة عن القوة القاهرة, حيث أن القوة القاهرة في حال تحققها