الصفحة 7 من 17

( ... لا شبهة في أن قيام الحرب يعتبر من الحوادث الاستثنائية العامة الخارجية التي لم يكن في الوسع توقعها والتي ترتب عليها أنه إذا أصبح تنفيذ الالتزام أشد إرهاقًا وأكبر كلفة كان للمتعاقد مع الإدارة مطالبتها بالمساهمة معه في تحمل النتائج المترتبة على ازدياد الأعباء الناشئة عن تلك الظروف ... ) (31) .

المبحث الثالث

في القانون المدني

طبقًا للمفاهيم والأفكار التي أفرزها المذهب الفردي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر فإن الغرض من القانون يتمثل في احترام حرية الفرد وصيانة حقوقه.

وقد أدى ذلك إلى عدة آثار في مجال القانون منها انكماش أو تضاؤل تدخل الدولة وضيق مفهوم المصلحة العامة إضافة إلى تغليب المصلحة الفردية على مصلحة المجتمع وظهر ذلك واضحًا في التأكيد على مبدأ سلطان الإرادة في مجال الروابط العقدية واحترام الحقوق الفردية وإقامة المسؤولية المدنية على فكرة الخطأ الشخصي لا على مبدأ تحمل التبعة أو فكرة الضمان (32) .

لكن المذهب الفردي هذا أخذ يضعف وتضيق دائرته تحت تأثير الوعي الاجتماعي ونمو وانتشار الأفكار الاشتراكية في العصر الحديث وبسبب هذه التطورات فقد ظهرت النظرة الجماعية للقانون وأهم مبادئها الإيمان بأن المجتمع هو الأساس في الحياة وإن القانون أداة للخدمة العامة.

وكان من نتائج هذه النظرة في دائرة القانون انكماش دور الإرادة في إنشاء الروابط العقدية وانتفاء تحكمها في إبرام العقد ووضع شروطه وترتيب أحكامه وكذلك إقامة المسؤولية المدنية على فكرة الضمان لا على أساس الخطأ الشخصي (33) .

وحسب هذه النظرة الجماعية فأن القانون هو قبل كل شيء وسيلة من وسائل تطوير المجتمع وتوجيهه نحو القيم والمثل العليا والتي بدونها لا توجد حرية حقيقية أو مساواة حقيقية (34) .

وعلى ضوء هذه المبادئ والأفكار الجديدة تحت تأثير مفاهيمها بدأ المشرعون في بعض الدول بإصدار التشريعات المدنية التي من شأنها التدخل في تنظيم العقود وعموم العلاقات المدنية وإعطاء الأولوية لمصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد والتركيز في العقود على التوازن بين الحقوق والالتزامات المتولدة عنها وإبطال ما يخالف ذلك, وجواز تعديل العقد من قبل القضاء وبالشكل الذي يكفل تحقيق هذا التوازن. وتغليب صفة العلاقة القانونية على صفة العلاقة العقدية. والتوسع في إقرار المسؤولية الناشئة عن حكم القانون في دائرة العقود حماية للطرف الضعيف في الرابطة العقدية. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه المبادئ قد نص عليها قانون إصلاح النظام القانوني في العراق رقم 35 لسنة 1977 وأكد على اعتمادها والأخذ بها عند إعداد التشريعات الجديدة في العراق وفقًا للأسس والمبادئ والأفكار التي حدد نطاقها بكل دقة القانون المذكور.

ومن هذا المنطلق بدأت نظرية الظروف الطارئة تظهر كنص عام في التشريعات المدنية لعدد من الدول فقد أخذ بها قانون الالتزامات البولوني في المادة 269 منه حيث نصت المادة المذكورة على ما يلي (إذا وجدت حوادث استثنائية كحرب أو وباء أو هلاك المحصول هلاكًا كليًا أو غير ذلك من النوازل الطبيعية فأصبح تنفيذ الالتزام محوطًا بصعوبات شديدة أو صار يهدد أحد المتعاقدين بخسارة فادحة لم يكن المتعاقدان يستطيعان توقعها وقت إبرام العقد جاز للمحكمة إذا رأت ضرورة لذلك تطبيقًا لمبادئ حسن النية وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تعين طريقة لتنفيذ الالتزام أو أن تحدد مقداره أو أن تقضي بفسخ العقد) (35) .

ونص القانون المدني الإيطالي في المادة (1467) على ما يلي ( .. في العقود ذات التطبيق المستمر أو التنفيذ الدوري المؤجل إذا أصبح التزام أحد المتعاقدين مرهقًا أثر ظروف استثنائية جاز للمتعاقد المدني بهذا الالتزام أن يطلب فسخ العقد وللمتعاقد الآخر أن يدرأ الفسخ بأن يعرف تعديلًا لشروط العقد بما يتفق مع العدالة) (36) .

أما القانون الإنكليزي فإنه كقاعدة عامة لا يعترف بالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي كسبب لانقضاء الالتزام لكن القضاء الإنكليزي أوجد ثغرة في هذه القاعدة بافتراض قيام الشرط الضمني بتبدل ظروف العقد وقضى بإعفاء المدين عن تنفيذ التزامه إذا أصبح التنفيذ متعذرًا أو صعبًا لسبب خارج عن إرادته لوقوع حوادث أثناء تنفيذ العقد وقد أطلق على هذه الحالة تعبير (تعذر التنفيذ) وهي حالة قريبة من نظرية الظروف الطارئة (37) .

كما سبق وأن أشرنا إلى أن القانون المدني المصري الصادر عام 1948 قد أخذ بنظرية الظروف الطارئة في المادة 147 منه.

كذلك فإن القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 قد أخذ بنظرية الظروف الطارئة بنص عام ورد في الفقرة الثانية من المادة 146 منه.

ومن النصوص المتقدمة يبدوا واضحًا أن نظرية الظروف الطارئة قد وجدت مكانها في القانون المدني في العصر الحديث بسبب أن مبادئ العدالة والإنصاف قد سادت فيه بشكل واسع, وأنها توجب توزيع العبء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت